الهبوط لأسفل ببطء (*)
روايـــة
طارق فـراج
(*) صدرت الرواية عن دار كيان للنشر والتوزيع، 7 شارع
محمد محمود ، باب اللوق، بجوار المدرسة الألمانية، وكان ذلك في أواخر عام 2012 م . الرواية صادرة بدعم من الصندوق العربي
للثقافة والفنون- آفاق.
إهداء..،
في الركن المضيء من القلب
تنمو زهرة...
- إلى أهل واحتي،
الذين غرست الطبيعة في قلوبهم
فسائل الطيبة والمحبة..
- وإلى ابنتيّ: يارا ، وريم
طارق
-
1
–
حاولت جميلة
حبس دموعها، عندما احتضنتها والدتها عند باب الشقة وهي تشهق. تلك هي المرة الأولى
التي تفوز فيها بحضنها الدافئ منذ زمن بعيد.. اختلطت عليها المشاعر. كان تيار من
الفرح يسري في أوردتها في الخفاء، يرتفع بها عالياً. بينما يلفها دثار من أحزان
الوداع. شهقات والدتها المتتابعة أربكتها وجعلت دموعها تسيل بالرغم منها، لكن حضن
والدتها أعادها لاخضرار الطفولة البهيج، وأشعرها أيضا أنها كبرت بما يكفي لتستحق
تلك الجائزة. لم تستطع أن تقاوم رغبتها في النظر إلى عيني أمها مباشرة, وهي تسحب
باب الشقة ورائها لينغلق بلطف، واضعاً حداً فاصلاً بين مرحلة انتهت، ومرحلة جديدة
ستبدأ. مرحلة لا تعلم عنها شيئاً، سوى حكايات والدها الذي كان يصور لها المكان مثل
مدينة من " ألف ليلة وليلة".
كان والدها يهبط درج البناية وهي تتبعه، قابضة
على حقيبة ملابسها الثقيلة بيد قوية، والبكاء الذي يتناهى إلى مسامعها من خلف
الباب يشعل في قلبها جذوة من الشوق، فيتلفت في قلق، للخلف مرة، ولأعلى مرات. تنعطف
هابطة مع دوران السلم، وكل خطوة تقودها للأسفل تباعد بينها ومرتع الطفولة الخصيب.
تضرم داخلها إحساسا جارفا بالحنين إلى والدتها.. إلى البيت الذي تركته منذ دقائق
معدودة. تدور هابطة وشريط ذكرياتها يدور، ترتسم المشاهد أمام ناظريها كاملةً، ويصل
إلى أنفها شذى خفيفا من رائحة الأماكن... رحلتها
الأولى مع والدتها إلى حديقة الحيوان بالجيزة. تبدو الحديقة من الخارج هادئة
صامتة، كأن لا حياة فيها. قطعت والدتها تذكرتين، وما إن اجتازتا البوابة الرئيسية
حتى تشرَّبَها عالم جديد غامض، تراه للمرة الأولى. الوجوه جميعها ضاحكة مستبشرة،
ولا أثر عليها لمعاناة الحياة. الأشجار السامقة ترتفع نحو السماء، وكأنها تمضي في
ارتفاعها دون توقف، وبلا أدنى خوف. النفوس هادئة، تنساب من خلالها موسيقى عذبة.
كانت الفتاة الصغيرة تسير، ولا تكاد تشعر بموطئ قدميها. يحيطها احتفال عظيم، وفرح
طاغ لم تجربه قط.
وقتها بدت الحديقة في ناظريها عالماً واسعاً،
منعزلاً عن العالم الخارجي. لم تفكر طيلة ذلك اليوم في المدرسة، ولا في الدروس.
حتى أنها لم تتذكر والدها الذي لم تنسه يوما!! هاهي الآن بعيدة تماماً عن ضجيج
المدينة، وعويل المركبات بدخانها الخانق. بعيدة عن كتل الأجساد الملتحمة في
الشوارع، وصياح الباعة الجائلين أمام المحلات المكدسة بالبضائع والزبائن. الحديقة
عالم واسع، تشعر بصدقه وصفائه. ثمة شيء يضيء داخلها. تكاد تلمس ذلك الضوء، الذي
يشعل رغبتها في الطيران فوق الحديقة.. تتمنى الآن أن تنظر لنفسها في المرآة. ترى،
لماذا لم يفكر أهلها في زيارة هذا المكان قبل الآن؟؟ في كل مرة يخرجون فيها للفسحة
تقودهم أقدامهم آلياً نحو " الكورنيش ". يجلسون في مواجهة مبنى
"ماسبيرو"، يشترون قراطيس الترمس، ويتأملون صفحة النيل، مراكب الصيادين
القليلة ومراكب النزهة، بمكبرات الصوت التي تزعق ليل نهار بأغان راقصة. يتأملون
خلق الله، ثم يعودون أدراجهم نحو المنزل بعد ساعة، تقل أو تزيد.
يرى
والدها دائماً، أنه من غير المناسب الترتيب لفسحة تمتد نهاراً كاملاً، معللاً
كلامه بأن ذلك سوف يؤثر على ميزانية البيت. أما والدتها فإنها تشفق عليها، وترى
أنها يجب أن تخرج، وتتنزه مثل مَن هم في مثل سنها من الأطفال. لكن والدها كان يقول
" الأطفال ينسون ". لكن جميلة لم تنس أشياء كثيرة حدثت في طفولتها.
***
لم تنس ذلك
الشاب الذي التصق خلف والدتها في الحافلة، عند عودتهم من حديقة الحيوان. انتهز
فرصة ازدحام " الأتوبيس"، وفعل ما فعل. لم يأبه لتململ والدتها، ولا
لزفرات أنفاسها وتأففها. ظل ملتصقا بمؤخرتها، وكلما حاولت أن تتزحزح بعيدا، ردها
الازدحام أمامه. راحت أفكار الفتاة وجاءت مع تطوح الأجساد في الحافلة واهتزت
مشاعرها كاهتزاز الإطارات تماما.. كان كل تفكيرها ينصب على هذين الجسدين
الملتصقين، بينما تغلفت المشاهد بضباب كثيف من حولها فلم تعد تر شيئاً آخر.. ترى
هل تقاوم والدتها حتى اللحظة الأخيرة، أم تستسلم راضية كما استسلمت الفتاة التي
كانت تهاتف الشاب في الحديقة قبل قليل؟ دارت بها الأفكار وانزلقت بها التخيلات إلى
مشاهد يمكن أن تحدث في أية لحظة، لكن عقلها كان يردها في النهاية إلى أن أمها لا
يمكن أن تفعل إلا الصواب، ورغم ذلك انتظرت، ومرت الدقائق أمامها كدهر طويل.. كان
الشاب يقف مثل نبات غض، يتمايل كلما حركته الريح، فكان يصطدم بوالدتها من الخلف، كلما اهتزت الحافلة،
ثم يرتد مستعدا لاصطدام تال.. كانت الأم أكثر رعباً من الفتاة، فقد كانت تخشى أن
تراها ابنتها في ذلك المأزق التي أجبرت عليه. سحبتها من يدها، لتهبط عند أول محطة
قابلتهما، وهي تطوح يدها في الهواء لاعنة المواصلات، والحكومة والشباب الذين لم
يروا التربية ولم يعرفوا الأدب. قبضت جميلة على يد والدتها حتى كادت أن تعتصرها،
وتمنت أن لو تصرخ فرحاً بردة فعل أمها تلك...
جلست "
يسرية " وابنتها في فُسْحةٍ صغيرة، بين عائلات كثيرة لتناول الطعام. الجميع
يفترشون الملاءات في الظلال الوثيرة للأشجار. كانت سيدة سمينة تجلس بجوارهما
وأولادها حولها. لمحت جميلة مدى اتساع الفارق بين ملامح جارتها، وبين والدتها
فابتسمت.
" يسرية
" امرأة حسنة الهندام، ذات قوام ممشوق، عيونها الواسعة يتدرج فيها اللون
البني على هيئة دوائر متتابعة، والأهداب الطويلة تمنحها سحراً إضافياً.. ما زال
شحوب المرض واضح على محياها، فقد نزل مولودها الثاني ميتاً منذ أسبوعين، بعد أن
أتم الشهر السابع.
أولاد جارتها
يلتهمون الطعام في شهية زائدة. لمحت يسرية ذلك، وأشارت لابنتها بهزة من رأسها
قائلة :
-
مالهم يأكلون
هكذا!!. كأن هذا الطعام آخر زادهم؟
- لا أدري يا أمي. قالت جميلة وهي تبتسم.
بعد قليل
التفتت السيدة السمينة ناحيتهما قائلة :
- هل ينقصكما شيء يا أختي ؟
- شكرا لك، الخير كثير.
- من
أي منطقة أنتِ؟
- بولاق
أبو العلا.
- أنا
" جملات " من المطرية، وهؤلاء (المقاطيع ) عيالي.
- أهلا
وسهلا.
- لكن،
ما شاء الله، أنتِ جميلة كالقمر.
- كلك
ذوق .
- ولماذا
لم يأت زوجك معكم؟
- هو في
العمل.
- زوجي
أيضا في العمل ولم يأت معنا، لكن هكذا أفضل... رجل فظ.
- الحياة
صعبة هذه الأيام. التمسي له العذر.
- نعم.
لكن ماذا يعمل زوجك ؟
- في
مطعم.
- حقا،
نسيت أن أسألك عن اسمك؟
- يسرية.
- وابنتك
الجميلة تلك، ما اسمها؟
- جميلة.
- ما
شاء الله... اسم على مُسَمَّى.
- شكرا.
- ألم تنجبي غيرها؟
- لا.
- لماذا
يا أختي، وأنت مازلت صغيرة؟
- لم
يأذن الله بعد.
لم تكف السيدة الفضولية عن الأسئلة، ويسرية
تحاول جاهدة أن تجيب إجابات مقتضبة، عسى أن تفهم الأخرى أنها لا تحب الثرثرة. لكن
جملات كانت تخرج من موضوع لتدخل في آخر. استفسرت منها عن كل شيء، كأنها مخبر يتتبع
أحد المجرمين. سألتها عن اسم زوجها، وعن راتبه، عنوان منزلها، وفي أي طابق تسكن.
لاحظت يسرية أن تلك المرأة تسأل بفطرية خالصة. ربما تزجية للوقت، ربما جيرانها لا
يحبون تطفلها الزائد، فيتجنبونها، ربما ... كانت يسرية تضع احتمالات شتى لثرثرتها
الزائدة. أما جميلة فقد تململت في جلستها مرات عدة، نظرت هنا وهناك، وعندما لمحت
عربة غزل البنات، أدركت أن الفرج قد جاء فأشارت لوالدتها:
-
ماما. أعطني جنيها.
تتبعت الأم إصبع ابنتها فلمحت البائع. فتحت الحافظة، وأعطتها
ما طلبت، ثم حذرتها ألا تبتعد عن ناظريها، فأومأت الفتاة بالإيجاب.
انطلقت جميلة
لتشتري الحلوى، تاركة والدتها تجيب على سيل الأسئلة غير المتناهي. كان أولادها قد
انطلقوا يمرحون، بعد أن ملئوا بطونهم.
كانت جميلة
تقف على مقربة من عربة " غزل البنات ". ظهرها للبائع، بينما عيناها
ثابتتان على شاب يقف أمامها. يتحدث بصوت خفيض في هاتفه الخلوي. كان يقف متكئا على
سياج معدني قصير.. ظهره لها، ووجهه في الناحية الأخرى. وهناك، على بعد أمتار منه،
كانت الفتاة تقف في مواجهته تماما، في ظل شجرة على جانب الطريق، والهاتف على أذنها.
لمحت الأم ابنتها تقف جامدة، كشجرة نبتت في ذلك الموضع، فزعقت:
- لماذا تقفين هكذا يا بنت؟
- لا شيء يا أم. هاأنذا قادمة .
***
لم تقص جميلة لوالدتها أنها
رأت الشاب يتتبع خطوات الفتاة التي اقتربت من البائع، على أساس أنها ستشتري
الحلوى. الفتاة تسير في خطوات متثاقلة، وكأنها تعلمت المشي للتو. البنطال الضيق
الذي ترتديه يقيد خطواتها، ويلتصق بنصف الجسد السفلي كأنه جزء منه، والكعب العالي
للحذاء يضرب الأرض بلا رحمة. أخرج الشاب ورقة صغيرة مطوية بعناية من جيبه، وأسقطها
تحت قدميها، ثم انحنى والتقطها، مدها بعد ذلك ناحية الفتاة قائلاً :
- تلك الورقة سقطت منك يا آنسة.
- شكراً لك. قالت وهي تمد يدها في دلال
لتتناولها.
لقد
رأته جميلة وهو يخرج الورقة من جيبه. لذا تعجبت، كيف تسقط الورقة من الفتاة، لتحط
في جيب بنطاله الجينز الضيق!. تابعت الموقف الذي لَفَتَ انتباهها. الفتاة تفُض
الورقة المطوية. تُخرج هاتفها الخلوي من حقيبة يدها. ينتقل بصرها بين الورقة
والهاتف، مرة هنا ومرة هناك. تضع الهاتف على أذنها. تسير مولية ظهرها للشاب،
ولجميلة أيضا. تسير وكأن مؤخرتها التي تتراقص، منفصلة تماما عن نصف جسدها العلوي. تتلوى..
تتكسر.. الهاتف على أذنها. يرن هاتف الشاب في يده. يضغط زر الإجابة: " ألو
" . يبتعد عن جميلة خطوات قليلة. يتكئ على سياج معدني قصير. الفتاة (كرمشت)
الورقة بأصابعها، ثم أسقطتها وابتعدت عدة خطوات، لتقف في ظل الشجرة على حافة
الطريق. كانت تقف في مواجهة الشاب مباشرة. ذكاء البنت الصغيرة ساعدها في أن تستوعب
الموقف، وتفهم سر اللعبة. اقتربت من الشاب قليلا.. تستطيع أن تسمع صوته الخفيض.
التقطت بعض الكلمات. رأته يشير ناحية الفتاة، وهي على الناحية الأخرى تبتسم بينما تنظر
إليه. ظلت تتابعهما حتى اقتحمت والدتها عمق المشهد. سمعت منه نثار كلمات لا يصح أن
تقال. حتى أنها تخجل من أن تتذكرها!!
- لماذا تقفين هكذا يا بنت؟ كررت الأم سؤالها.
- قلت لك لا شيء يا ماما.
- هيا
إذن.
- حاضر.
مرت جميلة ووالدتها من أمام الشجرة التي تقف
الفتاة تحتها، قابضة على هاتفها، بينما يصنع فمها ابتسامة عريضة. كانت الورقة التي
أسقطتها الفتاة تقبع أسفل الرصيف، متكورة على نفسها. التقطتها بسرعة وسارت مع
والدتها. فتحتها بعد ذلك، لتجد فيها رقم هاتف مكتوب بقلم أحمر عريض، وبجانبه رُسمت
وردة حمراء بشكل رديء، وفي أسفل الورقة كلمة واحدة : " كلميني ".
لم تقص يسرية
لابنتها أن جملات اقتربت منها بعد أن ذهبت لتشتري غزل البنات، جلست في مواجهتها
ومالت برأسها للأمام حتى تغلغلت رائحة الطعام من فمها إلى أنف يسرية، ثم قالت :
حسنا فعل الأولاد حين انفضوا من حولنا، بصراحة يا أم
جميلة لقد ارتحت إلى الجلسة معك منذ رأيتك للوهلة الأولى، يبدو أنك ابنة أصول.
- شكرا لذوقك.
- يبدو بالفعل أنك طيبة وابنة حلال، لذا أنا
أنصحك أن تنجبي مرة أخرى. ابنة واحدة لا تكفي.
- هذا أمر الله.
- الرجال يا أختي يتعبون في العمل، ثم يأتوننا
ليلاً في غاية الإرهاق. لقد كدت أنسى المضاجعة. زوجي لم يعد قادراً على الوقوف على
قدميه من كد العمل، فما بالك بالموضع إياه!
- الحقيقة يا ست جملات أني لا أحب التحدث في
تلك الموضوعات.. أستأذنك، سأقوم الآن لأرى لم تأخرت البنت.
- أنا لا أقصد شيئاً. أرجو ألا تغضبي من
حديثي.
- لا ، أبداً . لا شيء على الإطلاق.. بعد
إذنك.
-
2
–
اجتاز والدها
البوابة الحديدية للبناية، وهي خلفه مباشرة. أربكتها مشاعرها المتناقضة تجاه ما هي
مقدمة عليه. تريحها فكرة الحياة في واحة هادئة، تطل فيها نوافذ البيوت على حقول
خضراء. يهفو قلبها لمعانقة وجوه وديعة، ومطمئنة لم تتدرب على ارتداء الأقنعة. لكن
ما يقلقها هي تلك الفجوة الباردة التي تشعر بها في قلبها منذ أن أغلق باب الشقة
دونها. جميعهم يسمونها " الشقة "، برغم أنها حجرتان فوق أسطح إحدى
البنايات، بشارع "الأحمدين "، المتفرع من شارع "بولاق
الجديد". كانت في الأصل حجرة واحدة، بجوارها دورة مياه، ولاشيء آخر سوى سطح
واسع نظيف، إلا في ركنه الشرقي. حيث تقبع بعض الكراكيب، والألواح الخشبية
المتهالكة.
عندما أخبرها
والدها أنها ستغادر إلى " الواحة " لتكمل العام الأخير في دراستها
الثانوية، فرحت وتقافزت كطفلة امتلكت للتو دُمية جديدة. أخيراً ستترك القاهرة
بجحيمها وغضبها خلف ظهرها. ستنطلق إلى رحابة الحقول وصفاء الأفق. مخلفة تلك
الإحباطات التي اصطدمت بها في مدرستها، رغم أنها تحبها. آه.. يا له من حلم. لكن
الواضح أنه سيتحقق... لقد زارت الواحة في طفولتها المبكرة لكنها لم تستطع تكوين
صورة كلية عنها إلا من خلال حكايات والدها عن حقول القمح المترامية الأطراف..
أشجار النخيل التي يتمايل جريدها مع موجات النسيم.. طيور أبي قردان.. تغريد القمري
الذي لا ينقطع على أغصان الأشجار.. حشرة "فرس النبي" التي يطلقون عليها
(الطَهَّارة)، والتي كانوا يعتقدون أنها تتحول في الليل إلى ملاك. تدور على
البيوت، وتختار بعض الأطفال، لتقوم بختانهم. فقط الأطفال الذين يطيعون والديهم.
يستيقظون في الصباح ليجدوا أنها قد ختنتهم، دونما ألم أو دماء!... للقاهرة سور أصم
عال، حالك لونه، لا يراه إلا من يسكنها، هم الذين بنوه على مر الأزمان. سور من
الغضب والخوف والزيف والخيانة والسرقة. سور من دخان وتراب ولهاث، وسراب لا يتبدد..
لكنها تحب مسقط رأسها بلا شك.. تحب الشوارع والحارات بناسها وبناياتها القديمة
التي تنشع منها رائحة القدم، رائحة المودة التي لم تجدها إلا هنا، في بولاق ، وفي
الوكالة تحديداً. هي بالفعل مشدودة- ويا للغرابة- إلى اتجاهين متناقضين تماما، لا
تكره القاهرة لكنها تكره تناقضاتها، لا تحب الواحة لكنها تتمنى لو عاشت فيها.
عندما أغلق باب الشقة دونها شعرت كأن جزءا هاما من حياتها يهتز.. يوشك أن يتهاوى،
رغم أنها موقنة أنه ليس أكثر من عام دراسي والسلام.
***
تقع " الشقة " في الدور السادس. تطل
على بنايات مجاورة كثيرة، منها ما هو أوطأ منها، كمدرستها الثانوية التي ستغادرها
هذا العام. ومنها ما يظهر من بعيد لارتفاعه، كمبنى الإذاعة والتلفزيون أو مبنى
وزارة الخارجية المجاور له. تستطيع من هنا أن ترى الدور الثاني والثالث من مدرستها
التي تقع على بعد ثلاث بنايات، كما تستطيع أن ترى البوابة الرئيسية، بسورها الذي
لا لون له، والأشجار العتيقة التي تصطف داخل السور، بجذوعها الضخمة. تستطيع أن تطل
على أشياء كثيرة من هنا، دون أن يضايقها أحد.
استغل والدها المساحة الواسعة للسطح، لينشئ حجرة جديدة. استأذن صاحب
العمارة، ثم اشترى ألواحاً خشبية، وعروق خشب ومسامير، وقام بنفسه بإنشاء حجرة
متقنة الصنع. كلها من الخشب. كان ذلك بعد مولد جميلة بخمس سنوات، وكانت الأم تستعد
لاستقبال مولودها الثاني. أصبح لديه الآن شقة كاملة، حجرتان متقابلتان، بينهما
صالة صغيرة، وُضعت فيها أدوات المطبخ، ودورة مياه ضيقة، يشغل معظم مساحتها برميل
معدني تُخزن فيه المياه للاستحمام، والأغراض المنزلية، فالمياه لا تصعد إليهم إلا
في الصباح الباكر.
كان حلمي متحفزا، مبتهجا بينما تكتمل أمام عينيه
ملامح شقته الجديدة. لقد أتقن بالفعل صنع تلك الحجرة والصالة التي أمامها، برغم
أنها المرة الأولى التي يمسك فيها أدوات النجارة. بعد أن تم له ما أراد، ألقى " الجاكوش
" من يده ليرتطم ببلاط السطح بصوت قوي. رفع يده لأعلى، وهو يبسط كفيه في
الهواء استهانة قائلا :" كنت أستطيع أن أنجز هذا العمل بإصبع قدمي، إنها أروع
من " أوضة الجزم" التي يعتز بها والدي هناك". كانت يسرية وقتها
حاملاً في شهرها السابع. بعد أن أتم الزوج عشهما الهنيء بشكل لائق. كان ينظر في
عيني زوجته العسليتين، فيتورد وجهها، وترخي أهدابها الطويلة واضعة يدها على بطنها
المنتفخة... لاذ إذن بيسرية بعد أن أجهدته القاهرة لفترة، واستلبت جل الصفاء الذي
أتي به من الصحراء. لم يكره القاهرة يوماً. منذ أن لامست قدماه الكبيرتان ترابها
الناعم وهي تأسره. لكنه كان يسخط عليها أحياناً. كان يود لو يستيقظ من نومه يوماً
ليجد الحال غير الحال.
كانت يسرية
تضمه إلى صدرها الوفير في ليالي البهجة، قائلة له أن الأيام لابد ستصفو لهما، وكان
يهز رأسه مُؤَمِّنَاً على كلامها. كان يداعب شعرها الطويل الناعم، وهي تمعن النظر
إلى عينيه العميقتين دون أن تتحرك أو تنبس بحرف واحد. كانت تنبطح على بطنها، بعد
أن تتخفف من ملابسها، فتمسي مؤخرتها بارزة كهضبة بيضاء، بينما الجزء الأكبر من
ذقنها غاطس في الوسادة. كان يعرف أنها تريده عندما تتخذ هذا الوضع، فتمر أصابعه
على ظهرها هابطة لأسفل، متحسسة كل بوصة في جسدها البض. وكانت تتأوه لأقل لمسة من
أصابعه. أما هو فكان مسكوناً بهوس استكشاف جسدها والاستمتاع بكل أنملة فيه، وفي كل
مرة كان يعتريه إحساس مختلف عن المرة التي تسبقها.
فقدت يسرية مولودها الثاني بعد أن أتم شهره
السابع. نزل من بطنها ميتاً. عاد حلمي من عمله في ذلك اليوم ليجدها في فراشها –
وحولها بعض جاراتها- ببطن خاو لا يضم سوى اللوعة وألم الفقد.
***
نظرت جميلة في تلقائية لأعلى عندما شعرت بقدميها
في الشارع. أتتحمل البعد عن والديها عاماً كاملاً، أم أنها ستنكص على عقبيها؟. يلمح
والدها أمارات الحيرة على وجهها المستدير. عيناها الواسعتان شاخصتان. لقد خبر تلك
المشاعر في عامه العشرين، منذ أول رحلة له إلى القاهرة، يعلم تماما أن ابنته
ستعاني ألم الفراق في البداية، لكن وضعها الآن أفضل من وضعه آنذاك. على الأقل
ستكون بين ذويها، ولن تضطرها الظروف إلى المبيت ليلة كاملة، في حارة جانبية مظلمة
كما اضطرته... كانت ظلمة الليل تتدفق بكثافة عبر نهر الحارة الضيقة
التي دخلها لأول مرة، بعد أن سأل عن موقع "حُجْرة الواحِيَّة" حتى أتعبه
السؤال. لم يفلح أحد أن يدله على مكانها وسط هذا الكم الهائل من البنايات التي
يراها لأول مرة. من سوء حظه أنه نزل القاهرة بليل... انفتح طريقان في
البداية أمام عينيه.. طريقان متوازيان. تفحص الأول جيداً، كان مكللاً بالأحلام
التي تعملقت حتى جاوزت السحاب. اعتقد أن قدره مربوط بها. ثم ما لبث أن خرج الثور
الهائج من مكمنه، ونطح أبراجه العالية فحطمها. اعتصره الخوف من المجهول وأعاد له
يقظته. شعر أن المدينة التي حلم بها تلفظه منذ الوهلة الأولى. تردد قليلاً، ثم وضع
الطريق الأخير تحت حذائه ودهسه هامسا "اللعنة على التردد".
لما أتعبه
السؤال، التمس تلك الحارة الضيقة. كان يرى أنها تشبه إلى حد ما ذلك الشارع الضيق
الذي يقطن فيه، في واحته البعيدة. حط أمتعته القليلة في منعطف الحارة، ثم جلس
قليلا حتى تعودت عيناه على الظلمة، ولبث يتفقد المكان. اختار ركنا في المنعطف إلى
جوار بوابة إحدى البنايات ثم عزم النوم، لكنه احتار على أي شيء يضع رأسه المتعب؟ أخرج
أحشاء الحقيبة وهو يتحسس محتوياتها حتى عثر على الملاءة التي عرفها في التو ما إن
لمسها . افترش الحارة متمدداً على ترابها
الناعم.. لقد اتسخت ملابسه التي يرتديها من طول السفر، ولا بأس من أن يُجهز عليها.
أغمض جفنيه، وسريعاً ما غط في نوم عميق. لم يكن يعرف وقتها أنه ينام في حارة
متفرعة من شارع " الخطيري"، على بُعد خطوات من موقع الحجرة التي يبحث
عنها.
شارع الخطيري هذا أسسه في الأصل "عز
الدين أيدمر الخطيري" في أيام الناصر محمد بن قلاوون، كما قام ببناء الجامع الكائن في شارع ميرزا، واعتنى بعمارته
وزوده بمكتبة جليلة. تهدم الجامع بفعل فيضان النيل وأعيد بناؤه. وبعد زمن كانت
الرمال قد تكاثرت حوله حتى قاربت نوافذه من أن تُرْدَم وتُخَرَّب، ثم أعاد بناءه "السيد
محمد"، المعروف بالشيخ "رمضان البولاقي"، وأقام شعائره. ثم أُهْمِلَ
شأنه، إلى أن بناه من جديد الأمير مصطفى جوربجي ميرزا.. الجامع مستطيل، يتوسطه صحن
مربع تقريباً، تحيط به الأروقة من جميع الجهات. كُسِيَ صحن الجامع برخام ملون عليه
رسوم هندسية دقيقة، وعليه كسوة بديعة من بلاطات الخزف، صُنِعَت خصيصاً بمصانع "إزنك"
بالأناضول لكسوة إيوان القبلة والجدران. يتوسط جدار القبلة محراب مجوف مزخرف
بالفسيفساء الرخامية والصّدف، والى جواره منبر خشب نادر مزخرف بالخرط .. على
ريشتيه كتابة من آيات قرآنية تتضمن اسم المنشئ".
***
عندما نظرت
جميلة للأعلى، كانت والدتها تطل من سور السطح. وكان منديل أبيض في يدها، تكفكف به
دموعها. قبلت البنت باطن يدها ثم لوحت لامها زاعقة " مع السلامة "، وجاء
صوت أمها من أعلى ضعيفا مختلطا بضجيج الشارع: " انتبهي لنفسك يا جيجي "
تستطيع الآن أن
تعد المرات التي سمعت فيها والدتها تناديها بهذا الاسم. أمها تناديها باسمها:
"جميلة"، إلا إذا انكسر حصار الجدية، وسقطت غلالة الهم التي تعلو
قسماتها على الدوام.
ابتسامتها القصيرة تمر على صفحة وجهها، فيضيء للحظة
خاطفة. وما تلبث الابتسامة
أن تنقشع مثل غمامة صيف. أما ضحكاتها فهي حوادث نادرة،
قل ما تحدث. فإذا ما حدثت، تحولت جميلة في الحال إلى "جيجي". إن ذلك
الاسم المسكين لا ينطق بنفس الوتيرة في كل الأحوال، ففي حالة الفرح الغامر ينطق
منغما، ممطوطاً، ناعماً وخفيضاً، وإلا فإنه يلفظ من بين الشفاه سريعا، وفي تلك
الحالة تتيقن أن أمها تلفظت به سهوا دون أن تقصده تحديدا. أما والدها فهو لا
يدعوها إلا به، فهي بالنسبة له " جيجي " ، دائما " جيجي"، في
الغدو والآصال،
باستثناء أويقات قليلة يعود فيها من عمله مكدودا، ناقما
أو متشاحنا مع أحد، فما إن يدخل من الباب حتى يصرخ بكل ما أوتي من قوة :" يا
بنت يا جميلة "، فتعرف أن خطباً ما قد وقع،
وتتعامل معه على ذلك الأساس بهدوء وروية. يثور والدها
بسرعة، لكنه يهدأ بنفس السرعة التي يثور بها، فما هي إلا لحظات حتى تنبسط أساريره
ويعود كما كان.
تسير في
الشارع المتعرج خلف والدها مباشرة، وتتعجب لما تحاورها الأفكار بتلك الطريقة!!
استرقت التفاتة للخلف. كانت والدتها ما زالت تتابعها من أعلى. لوحت لها بيدها مرة
أخرى. وضعت حقيبتها الثقيلة على الأرض، وانحنت تشد المقبض لأعلى. ثم سحبتها خلفها
لتحدث عجلاتها الصغيرة ضجيجاً على أرضية الشارع التي تكتنفها النتوءات والحفر.
تابعت سيرها تتأمل والدها من الخلف. تحاول أن تختزن كل تفصيلة من تفاصيل جسده في
عقلها.
ورث حلمي عن
والده تفاصيل جسده القوي، طيبته الزائدة، عناده المستميت، عينيه العميقتين
الحادتين وأيضا قدميه الكبيرتين، وشعره المفلفل الفاحم السواد، وسمرة وجهه المُحَبّبَة.
تباطأت خطوات
والدها في منتصف الشارع، فتباطأت خطواتها حتى توقفت أمام دكان " توفيق"
البقال، وتوقفت عجلات حقيبتها عن الصرير. رفع حلمي يده بالتحية للرجل الذي كان
جالساً في عمق الدكان، ولم يكن يظهر من جسده الصغير سوى رأسه الضخم:
- كيف حالك يا
توفيق؟ أية خدمات من البلد؟
- ترجع
بالسلامة يا حلمي. لا تنس البلح الذي أوصيتك به.
كانت جميلة قد دلفت إلى الداخل. تناولت كيساً كبيراً من
رقائق البطاطس، ثم مدت يدها بالنقود إلى البائع، لكنه رد يدها بقوة، فأعادت النقود
مكانها.
- حاضر. أنت تأمر. قال حلمي.
- الأمر لله... مع السلامة يا جميلة، سنفتقدك
يا ابنتي.
- شكرا لك يا عم توفيق. بلّغ " نشوى"
سلامي. لم أرها منذ فترة.
- سأبلغها. هي بالقطع حزينة، فقد كنت صديقتها
المقربة، في المدرسة والبيت.
توفيق رجل طيب السريرة، اجتماعي إلى أقصى مدى.
يحب مخالطة الناس، ولا يكره أحدا. يسمع تعليقات الصبية على قصره المفرط، ولا ينبس
ببنت شفة. يتجاهل ما يقولون وكأنه لم يسمع شيئاً. ابتسامته الرائقة عالقة بشفتيه
لا تفارقهما. وكأن الهم لا يعرف له عنوان. معظم الشارع يتعامل معه رغم وجود دكاكين
أخرى. فبضاعته مضمونة، وأسعاره مناسبة، والأهم من ذلك أن معاملته طيبة جداً مع
الصغير والكبير. تقابل معه حلمي بالمقهى
صدفة في أول زيارة له بالقاهرة. شعر أنه يعرفه منذ فترة. منذ ذلك الوقت وهما لا
يجلسان إلا معاً. وُلد توفيق في بولاق أبو العلا، ويعرف أدق تفاصيلها. صادقت جميلة
ابنته " نشوى" منذ أن التحقتا معاً بمدرسة " ميرزا الثانوية
للبنات" بشارع ميرزا. ثم تشاحنا منذ فترة وافترقا. بالطبع والديهما لا يعلمان
شيئاً، لذا كان عليها أن تسأل عنها من منطلق اللياقة...
رأت أن نشوى تحاول التقرب منها منذ أول يوم لهما في تلك المدرسة الثانوية.
نشوى فتاة سمراء.. تلك السُمرة الداكنة التي يتميز بها أهل الجنوب. جسدها الفائر
يعطي انطباعاً أنها رسبت أكثر من مرة خلال مراحل دراستها، رغم أنها لم ترسب على
الإطلاق. تعارفتا في نهاية الأسبوع الأول، ثم تصادقتا بعد ذلك. كانت نشوى تحتضنها
كل ما التقتا.. حضن حار، وقبلتان عميقتان على خديها. كان جسدها يَقْشَعِرّ من
طريقة صديقتها الغريبة في التقبيل. كانت تفسر ذلك بأن اختلاف الأماكن يؤدي إلى
اختلاف الطباع والعادات. لذا لم تعر ذلك الأمر أهمية، بل أنهما قد تبادلتا
الأسرار، فحكت لها جميلة عن كل خصوصياتها.. عن مغازلة الفتيان لها، وافتتانهم
بمؤخرتها المثالية.. عن مدى متعتها في مراقبة الشارع والمقهى والبنايات المجاورة
ليلاً.. حكت لها عن تلك الفتاة التي كانت تتخفف من ملابسها، وترقص في شرفتها ليلة
كل أحد. كذلك حكت لها نشوى عن صداقاتها السابقة.. عن مدى حُبها لصديقاتها اللائي
قابلن حبها لهن بالنكران والنفور... ولدت نشوى في القاهرة لكنها ربما ورثت صفات
أجدادها في أقصى الجنوب، حتى لهجتها كانت خليطاً ما بين القاهرية والجنوبية، بل
كانت إلى الجنوبية أقرب.. كانتا تتزاوران في أيام العُطل. شعرت جميلة أن صديقتها
كانت تقترب منها بطريقة غريبة.. تحاول أن تلتمس أي سبب كي تلتصق بها، كأن تعرض
عليها بعض مقاطع " البلوتوث" كي تجد سبباً للالتصاق بها... كانت نشوى
وحيدة في الشقة عندما زارتها آخر مرة. جلستا معاً في حجرتها بعد أن عانقتها بحرارة
اعتادت عليها. يومها أحضرت هاتفها الجوال، لتعرض على جميلة بعض مقاطع "
الفيديو " قائلة: " سأريك شيئاً لم تشاهديه من قبل" ... كانت
فتاتان على شاشة الهاتف، عاريتان تماماً، وقد اشتبكتا في وضع غريب.. صعقتها
المفاجأة وألجمتها للحظة.. سحبت حقيبة يدها ثم خرجت مسرعة، وصورة الفتاتين أمام
عينيها طوال الطريق.
- 3 -
علامات البهجة ظاهرة على ملامحه. وجهه اليوم يحمل ألقاً
غريباً. لا أثر للتجاعيد الخفيفة تحت العينين. عيناه الضيقتان لامعتان كعيني صقر
حدد هدفه واستعد للانقضاض. منذ ثلاثة أعوام لم يزر الواحة، رغم أن والده عبدون قد
ألم به المرض منذ ما يزيد عن العام. يسير
متمهلا، منتشيا بخطوته البطيئة التي يمارسها لأول مرة
منذ زمن بعيد. فالحياة في القاهرة لا تحتمل تمشية كهذه، إلا في أوقات استثنائية لا
تحدث إلا نادراً. تذكر الآن أنه لم يستمتع برؤية السماء منذ فترة. رفع وجهه لأعلى.
تبدو السماء كالحة أقرب إلى السواد.. النجوم باهتة، واهنة أضواؤها ولا تكاد تبين.
آه لو يغمض عينيه الآن فيجد نفسه مستلق على الرمال الباردة في الواحة. يفرد ذراعيه..
يتنفس هواء نظيفا ملء رئتيه، ويراقب النجوم!!
عاش حلمي في
القاهرة لما يقرب من عشرين عاما. لكنه مازال يحمل خُضرة الحقول في قلبه. كل
الأحلام التي راودته في منامه طوال تلك السنوات كانت من هناك. يتعجب الآن، لمَ لمْ
ير القاهرة ولو في حلم واحد، رغم أنها حلمه الكبير وبُغْيته!! لقد أحب بولاق منذ أن وطأ ترابها . يشعر أن
طباع ناسها أقرب إلى طباع أهل الواحة. لم يترك شارعاً أو حارة إلا ومشى فيها
متأملاً ناسها ومبانيها وأسواقها. قطعها طولاً وعرضاً. لم يترك مكاناً حكي له
والده عنه إلا زاره. كان يمشي في أوقات فراغه ولا يمل المشي، حتى قادته قدماه ذات
مرة إلى سور الأزبكية. وجد هناك ما كان يصبو إليه، كتباً قديمة فيها كل ما يريد أن
يعرفه عن بولاق، وعن واحته أيضا. كان
المشي هو متنفسه الوحيد القادر على أن يُخرجه من شجونه وشوقه للواحة.
يمشي الهوينى،
وابنته التي استراحت لتلك المشية تتبعه. عيناها تنتقل يميناً ويساراً، متأملة كل
الأشياء. تحاول أن تحتفظ بملامح الشارع كاملة لتستعيدها هناك كلما اشتاقت إليه.
***
كانت الشمس قد غربت، وأصحاب المحال والبوتيكات
يطوون ( التندات) التي تظلل متاجرهم. يضيئون الأنوار.. الأنوار الداخلية وأنوار
"الفاترينات" الزجاجية، بحبالها الكهربائية الملونة وأنوار الواجهات.. ما
هي إلا لحظات حتى سقط الشارع التجاري في بحر من الضوء.
شارع "
الأحمدين " جزء من " وكالة البلح"، تصطف المحلات على جانبيه. تبيع
الملابس بأنواعها. جديدة ومستعملة. أقمشة وبياضات، ملابس داخلية وإكسسوارات.
كل تلك التفاصيل الصغيرة التي تراها الآن، لماذا
لم ترها من قبل؟ بالتأكيد رأتها، لكنها لم تعرها انتباها. ولماذا تعيرها الانتباه
وهي تمر عليها جيئة وذهاباً؟ عيناها الآن تلتهم الأشياء، وذهنها حاضر مع المشهد
الذي سيغيب عن ناظريها فترة من الزمن. الشارع مغطى بقماش- شأن كل شوارع الوكالة-
أخضر سميك، مشدود إلى حبال فوق واجهات المحلات من الجانبين، وقاية للبضائع من حر
الصيف وأمطار الشتاء. يُعَجّل ذلك الغطاء برحيل ضوء النهار بمجرد أن تنسكب الشمس
ناحية الأفق الغربي، لذا تضاء الأنوار في وقت مبكر في شوارع الوكالة... الازدحام الذي يخنق الأنفاس يحاصر كل شبر في
الشارع. الباعة الجائلين بعرباتهم الخشبية ذات العجلتين في كل مكان، يدفعونها
أمامهم، يتحركون في بطء السلاحف، تلك الحركة التي يفرضها الازدحام وتلاحم الأجساد.
الشارع واسع بالفعل إلا أنه يبدو مثل زقاق، فالمحلات قد احتلت الأرصفة والملابس
المعروضة على "بسطات" خشبية تحتل أكثر من متر ونصف المتر من كلا
الجانبين، وأصحاب محلات الأقمشة والمفروشات يضعون أمام محلاتهم مناضد خشبية عريضة،
رُصَّت عليها لفائف أسطوانية من أقمشة مختلفة. تقلص نهر الشارع بطريقة مفجعة، وصار
المرور فيه مستحيلا. ناهيك عن الباعة الجائلين الذين يحتلون منتصف الشارع بعرباتهم
الخشبية. تتعالى نداءاتهم على البضائع، حيث أنها آخر فرصة للشراء- كما يقولون- وأن
أسعارهم لا تنافس...إنه (الأوكازيون) الدائم... في وكالة البلح كل شيء يباع إلا البلح،
فلم تعد لتجارته وجود.
***
يجلس حلمي وصديقه توفيق البقال على مقهى
" عباد الرحمن "، الكائن في شارع الأحمدين كل مساء، يشربان القهوة
ويتسامران. كان " حامد " والد توفيق يمتلك مركباً صغيراً، ينقل به البلح
من أسوان إلى سوق الوكالة. ظل على هذه الحال أعواماً إلى أن تزوج، وجاء بعدها إلى
بولاق. اشترى البيت الذي تقع أسفله الدكان، ثم أتى بزوجته الأسوانية ليستقر هنا
إلى الأبد. قال له توفيق أن وكالة البلح سُميت كذلك لأن نشاطها بدأ بتجارة البلح.
كان تجار أسوان وصعيد مصر يأتون في مراكبهم الصغيرة، تحملهم صفحة النيل حتى بولاق.
وأخبره أن سوق الوكالة هذا يعود إلى بدايات القرن التاسع عشر تقريباً. كان نشاطها
التجاري في البداية حكراً على البلح، ثم أقمشة الكتان الذي اتسعت تجارته لتنكمش
تجارة البلح. تطورت الأمور مع وصول الجيش البريطاني أواخر القرن التاسع عشر، وتغيرت
طبيعة السوق. فغير التجار نشاطهم من الكتان إلى الألبسة المستعملة، لا سيما
النسائية منها وأقمشة المفروشات والستائر، إضافة إلى الخُردة.. قال توفيق أن السوق
شهدت تطوراً لافتاً بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت الوكالة مقرا لتجار الخردة
الذين توسعوا، وازدهرت تجارتهم، بعد الحرب العالمية، بسبب شرائهم مخلفات الجيش
الانجليزي.
كان حلمي
كثيراً ما يشعر بغزارة معلومات صاحبه وتفوقه عليه. لكنه في اليوم الذي
تحدثا فيه عن سوق الوكالة، أخبره حلمي أن عُمد ومشايخ الواحات أيضاً كان لهم نصيب
من مخلفات الجيش الإنجليزي، فقد قدموا إلى شارع السبتية و" سوق العصر"،
وقاموا بشراء سيارات نقل وعربات جيب لاستخدامها في الصحراء. لم يكن توفيق على علم
بذلك مما أسعد حلمي، وأشعره أنه يتوجب عليه أن يبحث عن كل معلومة تؤدي إلى الواحة
أو إلى بولاق. وقد عرف الكثير بالفعل بعد أن اهتدى، في تجواله الدائم، إلى سور
الأزبكية.
ما زال تجار الوكالة حتى الآن يقومون بشراء
المخلفات المعدنية للمصانع، وفرزها إلى حديد ونحاس وألمنيوم وغيرها. كما أضافوا
نشاطاً جديداً يتمثل في شراء السفن المستعملة، التي تباع في المزادات العلنية،
وتفكيك أجزائها لإعادة بيعها في هيئة خردة.
الجائلون هنا مطمئنون تماما. نسوا الخوف من مداهمة رجال (البلدية) للشارع.
فالحكومة في ظل ظروف الثورة لم يعد لديها الوقت لإخلاء الشارع من الإشغالات
المخالفة، وبالتالي صارت الشوارع مرتعاً لكل المخالفات التي تخطر أو لا تخطر على
البال. ميدان التحرير نفسه جذب إليه- إضافة إلى شباب الثورة النبلاء- العاطلين
والمحتالين والباعة الجائلين، وتمطى فيه أولئك الذين كانوا ينامون تحت الكباري.
كما وفد إليه العاشقون، والمتحرشون بالفتيات، والمتحرشات بالفتيان، والمصطادون في
الماء العكر، والمتطلعون إلى الأضواء والشهرة، والمتطلعون إلى الحكم... وغيرهم
كثير.
-
4–
كانت جميلة تسير متباطئة, فاتسعت المسافة قليلا
بينها وبين والدها. تسير على يمين الشارع, محاولة تجنب الأفواج المتتابعة من
النساء. مرت أمام المحل الكبير ذو الواجهات الزجاجية اللامعة, فانعكست صورتها على
زجاج الفاترينة: فتاة حسنة المرأى. ذات وجه أبيض مستدير، وعيون بُنية واسعة،
وأهداب طويلة. ترتدي ( تحجيبة) وردية اللون تظهر من تحتها خُصْلة من شعرها الأسود
الناعم. وضعت يدها الخالية على رأسها. مسّت خصلة الشعر ثم سحبتها للأسفل قليلا حتى
لامست حاجبها الأيمن. نظرت إلى بلوزتها المشجرة. أمسكت ياقتها وسحبتها للأمام.
تفقدت أزرار البلوزة وهي تهبط بيدها ببطء، من أعلى الصدر الناهض لأسفل حتى خصرها
الضامر. تنورتها السوداء واسعة الأطراف، مكوية بعناية فائقة، تضيق عند الفخذين, فتظهر
مدى تكامل استدارة مؤخرتها. استدارت لتأخذ لقطة جانبية قبل أن تواصل المسير. نظرت
لنفسها. ابتسمت راضية تماما، وهي تطمئن على ثمارها الناضجة. شدت أصابعها جيدا على
مقبض حقيبتها، وهي تهم بالمضي قدما. بينما تطالعها صورة اللاعب المشهور في مكان
مميز وواضح للعيان.
تطل صورة حارس مرمى الزمالك السابق مبتسمة
للزبائن والمارة، في منتصف الفاترينة. على يمين الباب مباشرة، بقميصه الأبيض،
ورباط عنق أحمر. صورة كبيرة ذات إطار مُذَهَّب. يظهر فيها خلال مرحلة من مراحل
شبابه، بشعره المفلفل الذي يحيط برأسه على شكل دائرة، تكاد تخفي أذنيه تحتها. ابن
بولاق الذي لعب الكرة الشراب في " خرابة " بولاق الشهيرة، قبل أن يلتحق
بنادي الزمالك. تلك "الخرابة" التي كانت تقع على ناصية شارع "
الخطيري"، من ناحية جامع " السلطان أبو العِلا "، أمدت أكبر
الأندية في مصر ببعض اللاعبين الذين لا يستطيع أحد أن ينساهم. كان يجلس أمام المحل
– بعد أن اعتزل اللعب – يتلقى التحية من الغادي والرائح. يوزع ابتساماته رافعا يده
بالتحية لكل من يسلم عليه. لم تره جميلة يوما جالسا هنا، لكن والدها رآه مرات
عديدة وسلم عليه بيده.
التفت حلمي
خلفه.. كانت ابنته تبعد عنه بما يزيد عن العشرة أمتار. وقف يتأمل الوجوه إلى أن
لمحها. يظهر وجهها ثم يختفي في الزحام. عندما رأته ابتسمت، فأشار لها أن تقدمي ثم
تابع السير. أما هي فقد كانت تحاول الإلمام بالمشهد كاملا، كغريب يطل من أعلى نقطة
في جبل على واحة مزدهرة واضحة المعالم، حادة التفاصيل. لم يكن الجو خانقا كعادته،
ولسبب ما كانت تحاول التصالح مع الأشياء كلها، التشبث بها، وتخزينها في جب الذاكرة
العميق. سوف تُكمل دراستها الثانوية في الواحة. ثمة عام كامل ستقضيه في مناخ
مختلف. لم تكن تشعر بضيق الشارع ولا بازدحامه، بل إن أضواءه اليوم أكثر لمعانا وسطوعا.
كانت تسحب حقيبتها خلفها في هدوء، وكان شاب يحاول أن يتجاوزها فارتطمت يده- دون
قصد تقريبا- بمؤخرتها. إنه أمر عادي، وكثيرا ما يحدث في شوارع المدن المزدحمة. لم
تلتفت، ولم تلق للأمر بالا. لكنه بعد أن تجاوزها أبطأ من خطوته، ثانية فصار خلفها
مباشرة. ثم منحها خبطة ثانية – هذه المرة أكثر قوة من سابقتها- على مؤخرتها. عندها
تيقنت أنه لن ينتهي إلا إذا نهرته بقسوة. وقد كان. كالت له الشتائم ونعتته بقلة
الأدب. فانهال عليها يقدحها بأفظع الشتائم. أيقن حلمي سريعا، أن ثمة مشكلة ما.
فعاد أدراجه مسرعا، وهو يوسع لنفسه الطريق بذراعيه القويتين، وما إن وصل حتى أصاب
الفتى بلكمة قوية، سال الدم على أثرها من أنفه. حاول أن يضربه ثانية، لكن أحد أصحاب الدكاكين، الذين يعرفونه في الشارع منعه
قائلا: " صلي على النبي يا معلم حلمي. خذ ابنتك وتوكل على الله، ولا داعي
للمشاكل". أخذها بالفعل ومشى، وهو يزفر ويستغفر. ها هي الأيام تعيد معك الكرة
يا حلمي، وإن اختلف الزمن والأشخاص...
***
لم يكن قد
زار القاهرة بعد، حين عاد "حمَّاد" ابن العمة " فوز " إلى
الواحة، بعد غياب طال لسنوات، وبرفقته ابنته " صابرين ". تلك الغزالة
الشاردة، كما كان يحب أن يصفها، ملكت عليه مشاعره وقتها. كان مع أصدقائه في
الزقاق القبلي، عندما مرت أمامهم. ولما لمحتهم الفتاة أبطأت من خطواتها، وابتدأت
تمشي مشية غريبة، هي أقرب للرقص من المشي. نثر " بركات " ابن حمودة
خلفها بضع كلمات مغازلة، تكشف أكثر مما تستر. غلى الدم في رأس حلمي. أمسك الولد
بركات من خناقه. لكمه لكمة قوية فسال الدم من أنفه. تعالت الشتائم مظللة بسحابة من
الغبار. ما إن أحس بركات بالدم يسيل من أنفه، حتى هاج مثل ثور انفك قيده، وراح
يكيل اللكمات بلا وعى لصاحبه. لكن حلمي بجرمه الهائل استطاع الصمود. ثم طرحه أرضاً،
عندها تدخل "سعد" و" عبد العليم" لفض النزاع.
قام
بركات ينفض ملابسه التي شالت تراب الأرض، وسب حلمي أمام الجميع. بركات يعرف أنه
مخطئ لأنه ضايق " صابرين " أمام صديقه. كان الأمر سيصبح عادياً لو أن
حلمي لم يخبرهم أنه يميل إليها، وأنها تميل إليه. وعلى ذلك الأساس لا يحق لأحد
منهم أن يحاول التقرب إليها.
غادرت صابرين منعطف الزقاق بسرعة، بعد أن هدأ
المكان. لقد شاهدت الموقف كاملاً، وسمعت عن بُعد الحديث الذي دار بين الأصدقاء. هي
الآن تعرف جيداً أن حلمي مستعد لأن يفعل أي شيء من أجلها. " كم شابا في
القرية يتطلعون الآن لنظرة من عينيها". حدث حلمي نفسه بتلك الكلمات، أما هي كانت قد انطلقت إلى بيت جدتها " فوز"،
تملؤها النشوة. لم لا؟ وقد تعارك اثنان من الذكور لأجلها!
وصلا بعد جهد
لنهاية الشارع، حيث تنتصب مئذنة "مسجد الأحمدين"، الذي ظل أعواماً بلا
مئذنة، حتى تمت توسعته وتجديده منذ ثلاثة أعوام، أو يزيد قليلا. على يمين المسجد
علق البائعون ملابس تحتية أنثوية.. قطع صغيرة ذات ألوان صارخة وموديلات ساخنة تكشف
أكثر مما تستر.. خُبث الباعة جعلهم يضعون عليها لافتات ورقية صغيرة كُتب عليها
أسماء أفلام تناسب تلك الملابس المثيرة.. مرت جميلة بناظريها سريعاً.. أعجبتها تلك
القطع الناعمة، ولفت انتباهها ما كُتب عليها: " لا أنام ، أرجوك أعطني هذا
الدواء، رحلة العمر، الرغبة".. وكثير غيرها من أسماء تلك الأفلام.. انعطفا
يسارا في شارع بولاق الجديد- الذي لم يعد جديدا، ولم يصمد أمام أول اختبار حقيقي
له. فقد تضررت معظم المنازل الكائنة على جانبيه مع زلزال أكتوبر في التسعينيات...
كانت رائحة الشواء تسد الأفق قبل أن يصلا
إلى " الحاتي ". التفت حلمي إلى ابنته قائلا :
- ما رأيك،
نشتري كفتة وطربا من عند "عكر"؟ بالتأكيد ستجوعين. سنقضي الليل بطوله في
السفر؟
- لا، لا.
يكفيني ما أعدته والدتي من " ساندويتشات ". هذا إن أكلت أصلا.
- سلمت أمري لله. كما تشائين.
انعطفا يمينا، ليدخلا "درب نصر"،
ومنه إلى شارع " وابور الترجمان "، ليستقلا أتوبيس شركة الوجه القبلي
للنقل والسياحة، المقرر له أن يغادر القاهرة في تمام الساعة الثامنة والنصف مساء.
مازال أمامهما ما يقرب من ساعة قبل تحرك الأتوبيس. عندما دخلا درب نصر غشت أنفيهما
رائحة البن المطحون، فتذكر والده في الحال:
- جدك عبدون
يعشق شرب القهوة.
- إذن يتحتم
علينا أخذ هدية له.
- نعم، ستعطيها له بيدك، هكذا سيحبك أكثر.
- لم أره منذ سنوات طويلة، أرجو ألا يكون قد
نسيني.
- لا أظن.
عرجا على المحل وطلب الوالد من الصبي : " نصف كيلو
بُن لو سمحت ". هز الصبي رأسه موافقا، ثم شرع في العمل.
-
5-
أصبحا في
مواجهة شارع "وابور الترجمان"- أمام مبنى مؤسسة أخبار اليوم- بعد ثلاثين
دقيقة تقريبا من مغادرتهما الشقة. سار حلمي قاصدا مقهى صغيرا في زقاق جانبي، إلى جوار
ميناء القاهرة للنقل البري الذي سينطلقان منه إلى الواحة، وأشار إلى ابنته أن
تتبعه. انعطفت خلفه، وهي تجر حقيبتها متنفسة الصعداء. آن لها أن تستريح. لكنها قبل
أن تلحق به لمحت شاباً يخرج من الحارة. يسير متأنياً وقد رجّل شعره اللامع، ورش
على جسده - فيما يبدو – زجاجة عطر كاملة.
عندما اقترب في مواجهتها نظر إليها. تفحصها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، وعندما
تجاوزته التفت للخلف وهو يتفحص ظهرها ويصفِّرْ، ثم همس " ما كل هذه
الإمكانيات!!". سارت في طريقها وكأن شيئا لم يكن، لكن قلبها تراقص فرحا لهذا
الإطراء. تعرف إمكاناتها جيدا: عامرة الصدر، متوردة الخدود. عيناها البنية الواسعة
لها جمال غريب، يخطف الألباب.
المقهى هادئ، ورواده قليلون. سحب الأب مقعدين
ناحية الحائط المقابل للمقهى فأصبح مبنى الأخبار عن يمينهما، والميناء في
مواجهتهما إلى اليسار قليلاً، يجلس معظم رواد المقهى إلى جوار ذلك الحائط، تاركين
نهر الحارة الضيق مجالاً للمارة وفاصلاً صغيراً بينهم وبين المقهى ذاته. ثمة كلب
أسود هرِم يبسط ذراعيه أمام المقهى على يسارهما، يرفع رأسه ويهش بذيله في كسل كلما
حط أحد أو ارتحل. جلس الأب وجلست ابنته واضعة ساقا فوق الأخرى، لقد اعتادت تلك
الجلسة حتى أصبحت تؤديها دون وعي.
ثلاثة من
الشباب يجلسون بالقرب منهما، يتطلعون إلى التلفاز الموضوع على منضدة صغيرة خارج
المقهى، يبث برنامجا رياضيا على إحدى الفضائيات وصوته المرتفع يصم الآذان. حلمي
الذي لم يعتد على مشاهدة التلفزيون بهذه الطريقة تقبل الوضع على مضض، فلن يمكث هنا
إلا لحظات تكفي ليشرب كوباً من الشاي. تطلع إلى المساحة التي يحتلها الميناء
قائلا:
سبحان مغير الأحوال. كل تلك المساحة – وصنع بذراعه
اليمنى نصف دائرة في الهواء – كانت مقلبا للقمامة، ومرتعا للكلاب الضالة.
نظرت الفتاة
تتأمل المبنى الضخم بسوره الحديدي المرتفع، ثم قالت:
" أعتقد أنني لم أره في مرحلة التأسيس، وكأنني
استيقظت ذات يوم فوجدته قائماً".
" سنطلب شايا أولاً ثم أحكي لك". قال والدها.
التفت ناحية الرجل الذي يدير هذا المكان. يبدو أنه يعمل
وحده. يعد المشروبات وينزل بها للزبائن، ويقوم بغسل الأكواب والأدوات.
***
كانت حرارة
النهار قد رحلت، وحلت محلها نسمة هواء طرية، زادت الأرض المرشوشة بالماء من
طراوتها. المكان صغير، بالكاد يصل اتساعه إلى ثلاثة أمتار مربعة. لكن الرجل – الذي
يعرج في مشيته – استغل مدخل الحارة كامتداد للمقهى. بل إن المقهى بالفعل خارج ذلك
الحيز الضيق، حيث لم ير حلمي أحدا يجلس بالداخل. صفق على يديه عدة مرات، فاتجه
النادل ناحيته قائلا بصوت مسرحي ممطوط:
- حااااضر...
ماذا تطلب يا باشا؟
- شاي مضبوط من فضلك.
- "والبرنسيسة"، ماذا تطلب؟
- شاي أيضا.
- سكر زيادة ؟. قال القهوجي بنبرة مغازلة، وهو
يتفحص وجهها المقمر.
- نعم يا عم. قالت، وهي توجه ابتسامتها للأرض
المرشوشة بالماء، تحت حذائها الوردي طويل الرقبة.
أعجبها أنه
وصفها بالبرنسيسة. فشعرت بشيء من الغرور، وشيء من الامتنان لهذا الرجل. ثم ما لبثت
أن عدلت عن امتنانها بعد أن اتضح لها عرجه الواضح، عندما ولى ظهره متجها للداخل. إن
هيئته يرثى لها: ملابسه متسخة. شعره منكوش، وذقنه غير حليقة. كما يبدو أنه لم يغسل
وجهه - ربما – منذ يومين. جعلتها هذه الأمور تستنكف جلستهما هنا فسألت والدها:
- ألم تجد أفضل
من هذا المكان يا أبي ؟!
- لماذا؟ ماذا يضيره؟
على الأقل رواده أولاد بلد، لا يجيدون التلون، ولا يظهرون غير ما يضمرون... ثم إن
كافيتيريا المحطة أسعارها لا تصدق. لن يقل سعر كوب الشاي عن الخمسة جنيهات.
هزت رأسها موافقة، وتابعت الكلب الذي قام من مرقده وهو
يتمطى. أيقنت جميلة أن الكلب هو صاحب المقهى أيضا، واستنتجت أنه لا يرقد إلا في
هذا المكان على يسار باب المقهى، فقد لاحظت - بعد أن انتصب على قوائمه – حفرة
صغيرة مستطيلة أسفله. من الواضح أن ما صنع تلك الحفرة هو كثرة رقوده في هذا المكان
الرطب دائما.
جاء النادل بصينية الشاي. وضعها أمامهما ثم قال:
" الشاي يا باشا ". كانت جميلة تتابع الكلب الذي سقط في حفرته مرة أخرى،
وذيله لا يكف عن حك الأرض الطينية تحته. تنبهت إلى الجملة التي ألقاها الأعرج الآن:"
هذا شاي البرنسيسة "، فتطلعت نحوه. في هذه المرة كان يتأمل حذائها الوردي، بل
كان يلتهمه بنظرات جائعة لم تستطع تفسيرها. كانت في جلستها تلك تضع ساقاً فوق
الأخرى، وتهز قدمها الحُرة في حركات بطيئة متتابعة للأمام والخلف. عندما لمحت
نظرته تلك، نظرت بدورها للأسفل. أنزلت ساقها. ضمت فخذيها، وسحبت تنورتها الطويلة
للأسفل. من المستحيل أن ينكشف ساقاها، فهي ترتدي بنطلون ( استريتش ) تحت الجيبة.
إذن، إلام كان ينظر ذلك المعتوه!! خرجت أخيرا من حيرتها بنتيجة واحدة، وهي أن لون
الحذاء لابد قد أعجبه.
" ها قد جاء الشاي". قالت، وهي تحك أسفل ذقنها
بإبهامها وسبابتها، منتظرة حديث والدها الذي ابتسم لها قائلاً:
- حسنا، سأحكي
لك بينما نرتشف الشاي.
رجعت بمقعدها إلى الخلف قليلاً ليستند إلى الحائط تماما،
وتهيأت كي تسمع قصة إنشاء ذلك الميناء.
حلمي عندما
يحكي، يصفو وجهه، ويتوحد مع الحكاية. ينسى مَن أمامه وما حوله. والده " عبدون
" الذي عمل في القاهرة أيضا في سنوات شبابه يجيد الحَكْي، بل إن حكاياته لا
تنفد. كانت شجرة السنط العتيقة، القائمة في مواجهة بيت علام النجَّار شاهدة على
حكاياته ومغامراته هنا وهناك. عمل في ستينيات القرن الماضي لدى أشهر محل حلويات كان
يملكه رجلا إيطالياً في شارع "عماد الدين".. هو الآن رجل عجوز لا يخرج من
البيت إلا ليجلس على الأريكة الخشبية التي أمامه، وعندما يمل من الجلوس أمام البيت
يدلف للداخل مرة أخرى. لا يتمشى في أزقة القرية إلا نادراً.
اتكأت جميلة
بمقعدها للخلف. وضعت ساقاً فوق الأخرى، وابتدأت قدمها في الاهتزاز. كان والدها
يحكي بينما ينظر ناحية الميناء. وكانت تنصت بينما عيناها لم تغفل عن الأعرج الذي
ترك كل المقاعد الفارغة أمامه، واتخذ من الرصيف مقعدا. اللمبة المثبتة في واجهة
المقهى تسقط ضوءها على رأسه. يتكور الظل أسفل عينيه العميقتين، وأسفل رقبته فيصبح
أقرب إلى الشبح. كان كلبه الأسود بجواره، يهش بذيله بينما يتابع هو حذاء الفتاة
الوردي. لاحظت أنه لم ينظر إلى عينيها سوى مرة واحدة عندما سألها عما تريد أن
تشرب، بعدها ابتدأ يتابع حذاءها، الذي حمل قليلا من طين الأرض. كان والدها يرتشف
رشفات طويلة، وهو يحكي " كانت تلك المساحة التي يقوم عليها الميناء أكبر
مستودع للقمامة في الحي. أصبحت الآن كما ترين.. سمعت ذات مرة في إحدى القنوات أن
الميزانية الكلية للمشروع وصلت إلى مائتي مليون وسبعة ملايين جنيها، فهو يضم ساحة
انتظار تحت الأرض، وجراج متعدد الطوابق.. بالإضافة إلى محطة واسعة لنقل الركاب.. وأيضا
مراكز تجارية. كما أنشئ نفقاً للمشاة يربط بين المدخل الرئيسي، ومحطة جمال عبد
الناصر لمترو الأنفاق "
تنصت إلى والدها وتتطلع بين الحين والآخر ناحية
الأعرج، وكلبه الذي ترك حفرته الرطبة، وقام في بطء شديد، وكأنه يبذل مجهوداً خارقاً
كي يتحرك. نفض عن شعر بطنه ما التصق فيه من الطين بهزات متتابعة. وابتدأ يتجه
ناحيتها في خطوات بطيئة وذيله لا يكف عن الحركة. إنه يقصدها بالفعل، فقد ترنح في
مشيته حتى حط رحاله تحت قدميها مباشرة. نظرت متعجبة إلى الكلب الذي بسط ذراعيه إلى
جوار قدميها مباشرة ولم يخش أن تؤذيه بحذائها دون أن تدري. انتابتها رغبة في أن
تتحسس شعر رأسه، لكنها لسبب ما لم تفعل. لاحظ والدها ذلك فابتسم قائلاً:"
يبدو أنه آنس إليك. الحيوانات ليست كالبشر، لا تنافق ولا تزايد ولا تتزلف".
من الناحية الأخرى كان الأعرج ينظر إليها ويبتسم ابتسامة غريبة. تشعر أنه لم يكن يقصد
أن يبتسم. بل كان يريد أن يبكي!!
لقد
مرت مصادفةً من هنا عدة مرات، لكنها لم تنتبه إلى مساحته الواسعة تلك. ودارت
التساؤلات داخلها حول إمكانية أن يظل كل ذلك الفضاء - الذي تشغله المحطة الآن-
شاغرا طوال تلك السنوات، دون أن يدور بخلد المسئولين استغلاله. لم يكن أمامها سوى
والدها تسأله. تظن أنه يعرف الكثير، وهو كذلك بالفعل. فالفترة التي يمكث فيها في
البيت، ما بين العصر والمغرب يقضيها في قراءة كتبه القديمة التي داوم على شرائها من " سور الأزبكية"
بأسعار زهيدة، حتى أصبحت لديه مكتبة لا بأس بها، يحتفظ فيها ببعض الكتب التي يعود
عهد طباعتها إلى المكتبة الأميرية في بولاق. أو يقضيها في التنقل بين القنوات
الإخبارية. ما من خبر هام يحدث في البلد إلا وألم به. أحياناً يشعر بالغضب تجاه ما
يسمع من أخبار سيئة، فيعلق عليها ويفندها حسب ما يعتقد، أحيانا أخرى يسمع الخبر
فلا يلقي له بالاً.
" لم أكن أتخيل أن الميناء بذلك الاتساع".
قالت جميلة، منتظرة من والدها أن يعقب. كان صوت التلفاز يطغى على كل شيء، إلا أنه
مال نحوها مبتسماً وصافياً تماماً. كأن زيارته المنتظرة إلى الواحة أزاحت الستار
عن معلومات مهمة في ذاكرته، كان قد نسي مع دوران الأيام القاهر أن يهديها لابنته. إنه
يعشق هذه المنطقة بالفعل وكل شبر من أرضها يحمل آثار خطواته، وجميلة كذلك، إنها
ابنة بولاق على أية حال، ويجب أن تعرف شيئاً عن مسقط رأسها الذي يوقن أنها تحبه،
كما يحب هو واحته ويهيم بها. نظرت إليه ملياً عندما مال نحوها. كان وجهه رائقاً
وهو يتحدث:
" هذا السور الذي يحيط بالمحطة يسوِّر ما يقرب من
خمسين ألف متراً مربعاً. يمتد على طول شارع " الصحافة " تقريباً،
ويتقاطع معه من هذه الناحية - وأشار إلى مدخل الشارع المقابل - شارع " وابور
الترجمان ". المدخل الآخر لهذا الميناء من ناحية شارع " شنن " في
الجهة المقابلة. لم يكن هذا البراح شاغراً هكذا على مر الزمان، ولكن كان قائماً
هنا ما يقرب من خمسين بيتاً منذ العصر المملوكي كانت جزءاً مما يُسمى "عشش
الترجمان". أزيلت تلك المنازل بعد أن دفعت الحكومة لساكنيها تعويضات رمزية، كما
أزيلت كل المساكن القديمة والعشش التي حولها، عند إنشاء تلك المؤسسات الصحفية التي
ترينها في المنطقة. ففيها مقر جريدة الأهرام، منذ أن انتقلت من شارع "مظلوم" ، عند تقاطعه مع شارع " شريف" - في أواخر الخمسينيات- إلى شارع "
الجلاء" بمبانيها الجديدة ومطابعها العصرية. كما أقيمت في أواخر الأربعينيات مؤسسة أخبار اليوم في هذه
المنطقة، التي كانت تعرف باسم عشش الترجمان.. إلى جوار هذا المبنى كانت تقع جريدة
المساء، منذ أقيمت في الخمسينيات على مشارف عشش الترجمان. وإذا كان النصف الأول من حي بولاق المجاور لحديقة الأزبكية هو
الجزء الراقي الحديث. فإن النصف الثاني على اليمين، حيث عشش الترجمان والعدوية،
وأيضا على اليسار حيث المنطقة المؤدية إلى " الإصطبلات القديمة"، وجراج
هيئة النقل العام حالياً هو الجزء الذي لا يزال يتخبط في عشوائيته. في هذه الناحية
تكثر العشش والمباني العشوائية، والحواري والأزقة الضيقة التي لا تستطيع سيارات
الشرطة أو الإسعاف أو المطافئ المرور فيها، ومنها شارع وابور الترجمان نفسه على
اعتبار أنه صار الآن شارعاً حيوياً لأنه أصبح يؤدي إلى الميناء. إلا أن التطور قد
بدأ يطول حي بولاق، بعد أن أنشئ المبنى الضخم على الكورنيش ليصبح مقراً لوزارة
الخارجية، مما نتج عنه إزالة العديد من العشش والمباني العشوائية. وكانت قد أزيلت من
قبل مساحة كبيرة من المباني العشوائية، ليُبني مكانها مبنى الإذاعة والتلفزيون
الضخم في أوائل الستينيات. كما بدأت عملية إزالة بعض المخازن القديمة في بولاق، ورملة بولاق،
والتي كانت عبارة عن مخازن للشركات، أقيم مكانها الآن المركز التجاري الدولي،
وبجواره أعلى عمارتين تجاريتين على الكورنيش، أصبح بعدهما ذلك المثلث الذي تبدأ
قاعته منهما لتنتهي عند ميناء القاهرة البري، هو محط أنظار الحكومة وكبار رجال
الأعمال في مصر.
لقد تعالت في هذه الأيام نبرة تطوير منطقة
وكالة البلح.. يريد رجل أعمال مصري كبير إزالة الوكالة عن بكرة أبيها وإنشاء مراكز
تجارية على أحدث طراز تمتد من الترجمان حتى الكورنيش. لقد سمع أهالي المنطقة عن
تلك المبادرة فاستعدوا للدفاع عن مصدر أرزاقهم بكل ما يملكون. بعدها ظهر رجل
الأعمال على القنوات الفضائية عارضاً برنامج التطوير, ومطمئنا إياهم بأنه يتعهد أن
يحفظ حق كل منهم في الإقامة بالمنطقة, بعد تحويلها إلي وجه حضاري اقتصادي وسياحي،
ضمن برنامج الدولة لتحديث العاصمة لتكون علي مستوي عالمي, وتعويض سكان المنطقة
سكنيا أو ماديا(...). غير بعيد عن شقتنا في وكالة البلح نجد المبنى الحديث لدار
الكتب المصرية، ومقر الهيئة المصرية للكتاب.. كانت المنطقة لو تعرفين مقراً لأول
مطبعة في الشرق. تلك المطبعة الأميرية التي أقامها " محمد علي باشا". ثم
أهداها عباس الأول لأحد أصدقائه، قبل أن يستعيدها " الخديو إسماعيل" من
ماله الخاص، كما تقول كتب التاريخ التي أظن أنها كانت تجهل أو تتجاهل أن مال
إسماعيل الخاص ما هو إلا حصيلة كفاح ودماء أبناء البلد".
أصغت جميلة إلى والدها بانبهار، وعيناها
تتابع تعبيرات وجهه بينما يكمل حديثه:" تقع مباني المطبعة الأميرية
"العصرية" على الشاطئ الآخر عند إمبابة. تلك التي أقيمت في أواخر
الستينيات، وتتصل مباني حي بولاق بمباني حي روض الفرج، ولم يعد أحد يعرف، إلا فيما
ندر، الحد الفاصل بين الحيين العريقين ولا تاريخهما".
كان صوت التلفاز مزعجاً حقاً. وكان مقدم
البرنامج الرياضي، ذو الصوت الأجش يعلن أسفه، لأنه سيترك مشاهديه الأعزاء قليلا،
ثم يعود إليهم بأشواقه الغامرة بعد الفاصل الإعلاني.
انتهى والدها
من الشاي، بينما شربت نصف الكوب ثم امتنعت. لازال أمامهما الكثير من الوقت قبل أن
يتحرك الأتوبيس. قال حلمي موجهاً حديثه للنادل، بعد أن صفق على يديه:
- الحساب لو
سمحت.
قام الأعرج،
وهو ينفض مؤخرته متجها نحوهما. يبدو أن إحدى قدميه أقصر من الأخرى بطريقة ما. وقف
أمامهما وهو يعبث بمحتويات جيب المريلة التي كانت بيضاء يوما ما، ثم قال: "
جنيهان " تناولت مقبض حقيبتها ثم وقفت، وقام الكلب رافعا رأسه متطلعا إلى حركة
الأيدي بالأعلى. أعطي والدها القهوجي خمسة جنيهات، وضعها في جيب مريلته ثم أخرج
الباقي وأعطاه إياه. ما إن وقعت الجنيهات المعدنية الثلاثة في يد حلمي حتى كانت
إحداهما تقف أمامه. تحمل صغيرا على كتفها، وترسم على وجهها علامات العوز:
- حسنة لله. من أجل هذا الصغير.
ناولها جنيهاً، وهو يعرف أن أغلبهن محترفات، وأن ذلك
الصغير حتما لا يخصها. تلك وظيفتهن التي لا يعرفن غيرها. الشحاذة في مصر مهنة لها
قواعدها وشيوخها. وشيوخها لهم مناطق نفوذهم التي لا يجرؤ أحدا على الاقتراب منها.
- ربنا يبارك
فيك، ويرزقك، ويسلم طريقك... كان محتاجا أن يسمع ذلك الدعاء
- هيا يا ست
من هنا. توكلي على الله. قال القهوجي وهو يزيحها قليلا بيده.
- اتركها من
فضلك. قال حلمي ثم تابع : هيا يا جميلة.
تحركت خلف والدها، بينما ودعها القهوجي بصوت
خفيض:" مع السلامة يا ست هانم ". عندها أدركت أنه من ذلك النوع الذي
يستمتع بتنفيذ الأوامر.. من بني جنسها خاصة(...)
- 6 -
" سندخل من هنا إلى شارع شنن، لنأخذ بعض الفاكهة
لأولاد عمك"، قال حلمي لابنته.
الشارع ضيق مليء بالحفر، وبرغم ذلك لم يرحمه
أصحاب محلات الخردة، الذين وضعوا أكوام بضاعتهم خارج المحلات. بل إن أصحاب عربات
الكارو قد استغلوا الجهة المقابلة من الشارع وربطوا حميرهم في سور المحطة. فما إن
تدخل الشارع حتى تصفعك رائحة بعر الحمير، المختلط بالبول وبقايا العلف.
- برغم إننا
سمعنا المسئولين يقولون أنهم سيطورون الطرق والأرصفة المحيطة بالمشروع، إلا أن
الحال هو الحال. شيء غريب.
- وما الغريب
في ذلك يا أبي؟ منذ متى ونحن نعول على كلام المسئولين؟
معك حق. ولكن ضيق هذا الشارع أحدث منذ أسابيع مشكلة
كبيرة اهتز لها الحي كله.
- أي مشكلة تقصد؟
- الحريق الذي شب في هذا العقار- وأشار ناحية
بناية قديمة – وأتى على الشقة التي بالدور الأول.
- نعم، سمعت عنه.
- لم تستطع سيارات المطافئ الدخول لضيق
الشارع، ولم يستطع الأهالي بأدواتهم البسيطة إخماد النيران التي التهمت الشقة بمن
فيها.
- ومن كان فيها؟
- طفلة عمرها عشرة سنوات ووالدتها. لم يستطع
الأهالي إنقاذهما، ولما عجزت سيارات الإطفاء عن الدخول ثار أهالي الشارع في وجه
رجال المطافئ، وطعن أحدهم الضابط بمدية
فأصابه عدة إصابات، نقل على أثرها إلى مستشفى بولاق العام.
- ماذا يفعل ضابط المطافئ المسكين ليضرب بآلة
حادة؟ قالت الفتاة بتأثر واضح.
- عجز الأهالي عن التصرف ولم يجدوا أمامهم سوى
الضابط المسئول، المتمثل في الحكومة فاعتدوا عليه. فقط ليعلنوا أن الحكومة غير
قادرة على تأمين أرواحهم وممتلكاتهم.
- وهل هناك حكومة بعد أن أسقطت الثورة النظام
الحاكم؟
- نعم هناك حكومة تسيير أعمال، بالإضافة إلى
المجلس العسكري.
- إني لا أعرف حقا يا أبي ماذا جنينا من وراء
تلك الثورة سوى غياب الأمن، وانتشار البلطجة، وترويع الشعب، وارتفاع الأسعار
المستمر، وأزمة الخبز، وأزمة أنابيب " البوتاجاز ".
- رويدك يا جميلة، فالثورة مثل بذرة، زرعها
شباب مصر الشرفاء يوم 25 يناير وما بعده. ولم يمر عليها سوى سبعة أشهر، ومن
المفترض أن تنمو تلك البذرة، ويشتد عودها لتصبح شجرة قوية. بعدها نتطلع إليها لنرى
ثمرها، نتذوقه ونعتمد عليه. أليس كذلك؟
- نعم، ولكن الناس أسقط في يدها بالفعل. كنا
نظن أنه بإسقاط النظام قد انتهى كل شيء.
- لا. بل بدأ كل شيء . هي البداية فقط، لكن
المشوار لا يزال طويل.
- الناس تعبت يا أبي. أضحت الطوابير على أنابيب
الغاز أضعاف طوابير الخبز. شيء محير.
- المصريون أذكياء، ولا يغلبهم شيء. ألم تذكر
لكم كتب التاريخ شيئاً عن البطولات التي قام بها أهل بولاق في الثورة ضد الفرنسيين؟
- كتب التاريخ
لا تذكر سوى شذرات، يعني من باب " اعرف شيء عن كل شيء".
- المصريون لا
يغلبهم شيء كما قلت لك...
تمشيا للأمام
قليلاً، ثم تباطأت خطوات والدها فجأة.. رفعت وجهها نحوه، كان ينظر عن يمينه
ويبتسم.. نظرت في الاتجاه ذاته فلمحت رجلا عجوزاً يجلس أمام دكانه الصغير، على
يمين العقار الذي نشب به الحريق، وقد ارتدى جلبابا بنيا، وطاقية من نفس اللون.
اتجه والدها نحوه بخطوات واسعة وما إن وصل عنده حتى انحنى يسلم عليه. أسعدها أن
الرجل قد سلم على أبيها منادياً إياه باسمه، فكل الناس تعرف أصحاب المحلات، لكن
أصحاب المحلات لا يعرفون كل الناس.
-
من
هذا الرجل يا أبي؟ إنه يعرفك؟
-
ألم
أخبركِ قبلاً أن المصريين أذكياء؟
-
وما
علاقة قولك بسؤالي هذا؟
- إنه عمك " قدري"، بائع الكيروسين الذي عاد
نجمه للسطوع في الحي، بعد أن اشتعلت أزمة أنابيب البوتاجاز.
صمتت جميلة ولم تعلق، لأنها تعرف أن والدها
سوف يقص عليها الحكاية. سعل حلمي قليلاً ثم قال:
" لقد توافد الزبائن على دكان " قدري "
بعد أن كسدت مهنته لسنوات طويلة. رغم ملامح وجهه الحادة التي يبدو عليها الإجهاد
دائما، إلا أنه يحمل في قلبه طيبة حقيقية. لم يستغل الأزمة والارتفاع الصاروخي
لأسعار الأنابيب ليرفع سعر لتر الجاز، ولكنه ظل يبيعه بنفس سعره القديم قبل حدوث
الأزمة، جنيه واحد. السيدات اضطررن إلى استخدام " باجور الجاز " بدلا من
الوقوف يوما بطوله في طابور لا ينتهي، للحصول على أنبوبة غاز وصل سعرها إلى أكثر
من أربعين جنيها!! ذلك الشيء الذي كان قد طواه النسيان عاد إلى الظهور، وبحثت
السيدات في كراكيب البيت عنه أو نزلن إلى السوق لشراء واحد جديد بعد أن اتضحت
أهميته. المضحك في الأمر أن سوق " البواجير " قد ازدهرت بعد طول انحسار.
فقد وصل سعر الباجور الذي كان يباع بثلاثين جنيها- ولا يجد من يشتريه – إلى مئة
وعشرين جنيها في أسواق العتبة، وباب الخلق، وكلوت بك. يقول عم قدري إن ذلك "الباجور"
الذي يباع الآن ما هو إلا تقليد رديء الصنع من ذلك الأصلي الذي كان يباع قديما،
فهو خفيف الوزن ولا يتحمل العمل".
-
لا
تخبرني أن ذلك " الباجور " الجديد صناعة صينية.
- ربما، الحقيقة أنني لا أدري. قال حلمي ضاحكاً ثم تابع:
" خلق القلق وقلة الحيلة عواصف من القلق والحنق في نفوس الناس، الذين أخذوا
يكيلون الشتائم للدولة والمسئولين.. وللثورة أيضا، تلك التي يعتقدون أنها السبب
الرئيسي في كل تلك المصائب. إن البسطاء من الناس لا يهمهم سوى أن تسير الحياة على
وتيرة واحدة، دونما مفاجآت".
رفعت جميلة
رأسها ناحية الدور الأول. كانت نوافذ الشقة المحترقة فاغرة أفواهها. تطل من داخلها
أشباح الحوائط السوداء. تماما كبيوت الرعب في الأفلام الأمريكية. كانت جميلة تتخيل
سيناريو الحريق في رأسها. ألسنة اللهب تمتد عبر النوافذ، بينما يعلو صراخ الطفلة
والأم بالداخل. صراخ متواصل يسببه الرعب والألم، وانسحاب الحياة البطيء من
الأجساد. طفرت الدموع بالفعل من عينيها، وسألت والدها والبكاء يغالب صوتها:
- ترى أين كان
والد الطفلة آنذاك؟
- يقولون أنه
كان في عمله، وعاد لاهثا بعد أن علم بالفاجعة، فوجد الشقة كومة من الرماد. كان يظن
أن عائلته نجت، وعندما علم حقيقة الأمر سقط من طوله.
- ألن تعوضه الدولة عن شقته المحترقة؟
ضحك الأب ضحكة مريرة ثم قال " إن مصطلح الدولة
مصطلح فضفاض، على الأقل في هذه الآونة؛ ثم إن الرجل هام على وجهه ولم يُعثر له على
أثر.
رن هاتفه
الخلوي في جيبه فأيقن أنها زوجته. نظر إلى شاشة الهاتف ثم التفت ناحية جميلة قائلا
" أمك، يبدو أنها افتقدتك. هكذا سريعا، بينما لم يمر على خروجنا من الشقة
أكثر من ساعة واحدة؟ خذي، حدثيها بنفسك"... حدثتها، وبعد أن أنهت مكالمتها
تساءلت لمَ لمْ تطلبها والدتها على هاتفها الخاص؟ " يبدو أنه سيظل أبد الدهر
لا يرن". كانت تحدث نفسها، بينما سافرت روحها إلى مكان آخر، لم يحتله سوى شخص
واحد، استطاع أن يعلمها أن للحب رائحة لا يشمها سوى المحبين... " آه.. ترى،
أين أنت الآن يا كريم ".
***
مر متفرساً في
وجوه البائعين على طول الرصيف المقابل لمدخل المحطة. تلك عادته قبل أن يشتري أي
شيء. لابد أن يشعر بالارتياح نحو البائع. يتأمل الملامح. يروح أمامهم ويجيء، فإذا
ما اطمئن إلى أحدهم تقدم إليه، غير عابئ بالأسعار. إنه يقدِّر معرفة الناس ويسعى
إليها لأن - كما كان والده يقول – "معرفة الرجال كنوز". يستطيع بنظرة
فاحصة أن يتبين الطيبين منهم، وأولئك الذين يكمن في عيونهم المكر والخبث.
سار متأنيا
أمام عربات الفاكهة، بينما وقفت جميلة تنتظر على ناصية الشارع، حتى يستقر والدها
على رأي. مشى وهو يتأمل وجوه بائعي الفاكهة الذين لا ينساهم، هؤلاء تحديدا لأنه
تعرف عليها هنا، وبعد أن غابت لفترة وكاد ان ينساها قابلها هنا أيضا...
نظرتها العاصفة التي استقرت تماما
في عمق عينيه أصابته بقشعريرة، بينما كان يتقدم ببطء أمام عربات الفاكهة. ترى من
تلك التي تجرؤ على النظر إليك بهذه الطريقة أيها الصحراوي! انظر إليها جيدا. يبدو
أنها تعرفك. أو كنت تعرف امرأة مثلها؟ لكن متى؟ أين؟ هي التي تعرفك. تعرفك جيدا.
انظر إليها. مم تخاف؟ منذ كم عام وأنت لم تتأمل امرأة بشكل جيد سوى زوجتك؟ لم أنت
مضطرب هكذا؟ انظر يا رجل... امرأة مديدة القامة، ممشوقة القوام. ثوبها الضيق
المفعم بألوان حادة مبهجة يظهر تفاصيل جسدها بصورة زائدة عن الحد. ثوبها المزركش
اللامع وخطوتها المتكسرة يجعلانها تتلوى، مثل شقائق النُّعْمَان البحرية عندما
تتقاذفها تيارات الماء في أعماق البحار. طرحتها السوداء المؤطرة بتطريز مذهَّب
لامع تبرز ملامح وجهها الوضَّاء... امرأة متفجرة الأنوثة، تلفها مسحة خفيفة من عطر
أنثوي رقيق. ذلك العطر الذي يشعر أنه تغلغل في أنفه من قبل. لكن متى ؟ وأين؟ لا
يتذكر. ابتسامتها المشرقة، التي تُظهر غمازتين على خدودها الممتلئة المتوردة تؤكد
أنه يعرفها. عندما أصبح الحد الفاصل بينهما خطوة واحدة غمزت بعينها، تلك
(الغَمْزَة) يتذكرها أيضا... كل تلك الأشياء ترتسم أمام عينيه، تغلفها غلالة من
ضباب خفيف.
كانت الساعة
تقترب من الثامنة عندما وقف أمام البائع المُخْتَار. تقدمت ابنته ووقفت بجانبه.
ملامح البائع تُنبِئُ أنه في نهاية العقد الأربعين. يرتدي جلباباً فضفاضاً سماوي
اللون، ذو أكمام واسعة، ويتعمم بعمامة بيضاء كبيرة. الفاكهة مرصوصة أمامه بشكل
جذاب. لم يكن حلمي قد قرر بعد ماذا سيطلب من البائع الذي بادر وانتزع إصْبَعَي موز،
وناولهما لهما. ترددت جميلة في أن تمد يدها لتأخذ ما منحها البائع إياه، لكن
والدها أومأ لها برأسه فأخذته.
- تفضلا، تذوقا
بالهناء والشفاء. قال البائع.
- شكرا لك، ما
اسم الكريم؟
- مسعود.
- أسعدك الله دائماً، هل تعرف أن لكل واحد منا
نصيب من اسمه؟
ويبدو أن الرجل لم يفهم كلام حلمي لكنه علق قائلا:
-
كله
خير. أكرمك الله.
ضغطت جميلة
على يد والدها، وعندما نظر إليها، نقرت بسبابتها على ظاهر يدها لتُعْلِمَهُ أن
الوقت صار ضيقاً، ولم يعد هناك مجال للتسامر.
وزن الرجل ما
طُلِبَ منه، وفي كل مرة كان يزن فيها نوعاً من الفاكهة كان يتمتم قائلا : " بالصلا ع النبي" . وسأله
حلمي:
- ألا تتفضل
بإعطائي (كرتونة) فارغة؟ إن حَمْل الفاكهة بهذا الشكل، في أكياس متفرقة مستحيل، ثم
إن وراءنا سفراً طويلاً.
- انتظر، سوف
أريحك من هذا العناء... إلى أين تعتزم السفر؟
- إلى الواحات.
- ياه، تصل بألف سلامة. قال البائع وهو يرصُّ
الفاكهة في الكرتونة.
ذات يوم، وقبيل سفره بساعة تقريبا، كان هنا، في
المكان ذاته، منهمكا في أمر تعبئة الفاكهة، عندما تسرَّب إلى أذنيه صوت ناعس يقول
" بكم هذا البرتقال يا عم ؟ ". كانت امرأة كشمس الضحى، لا يدري متى
أشرقت!!. قال البائع بصوت اجتهد أن يجعله محايداً " أمامك التسعيرة يا ست
" لكنه اختلس نظرات قصيرة إليها، وهو يُحْكِمُ غَلْق الكرتونة. أما حلمي فقد
انتابه بعض الارتباك بعد أن رآها أمامه ثانية، وتسرب عطرها الرقيق إلى أنفه. نظرت
إليه نظرة العارف ببواطنه قائلة:
- كيف حالك يا
معلم حلمي؟ لم تتغير كثيرا.
- أهلا بك، هل
أعرفك؟ قال وهو ينظر إليها.
وقف البائع لا يبدي حراكاً. كان ينظر إليهما
بالتناوب.
- بالطبع تعرفني. هل تغيرت ملامحي إلى تلك
الدرجة!!
- لم تسعفني الذاكرة صراحة. قال، بينما شيء داخله
يؤكد أنه يعرفها.
- أنا " نجلاء "، وطالما أتيتُ إليك
في المطعم بالشارع الجديد، لشراء طعام الإفطار؛ كان ذلك قبل سنوات.
شعر أنه يرتج
من الداخل. فورانٌ ما يصعد من ساقيه حتى يصل إلى جمجمة رأسه:
هاأنت يا نجلاء أمام عيني مرة أخرى. بعد كل تلك
السنوات!! ترى كيف هي حياتك الآن؟ مع من ترقدين في فراشك الليلي، بجسدك هذا
الفائر!! كيف هو زوجك المسكين؟ هل أنهكتِ قواه، واستنفذتِ كل مائه؟ أين كنتِ طوال
تلك السنوات، رغم معرفتك بمكان عملي؟ لم انقطعتِ فجأة؟ وهل ارتسم طيفي أمامكِ طوال
تلك السنوات؟
-
" نعم تذكرت"، قال.
- يبدو أنك
على سفر؟
- نعم، سأركب بعد قليل، الساعة الثامنة والنصف،
إلى البلد.
- تصل بالسلامة. أتمنى أن تطمئننا عليك. أنا
أسكن هنا.
وأشارت إلى حارة متفرعة من شارع " شنن
"، ثم تابعت: " رقم 6 الدور الرابع"، ويبدو أنها تذكرت شيئاً
فقالت:" انتظر ". وضعت يدها في فتحة الثوب الضيقة، فأشرق نهر الثديين
الحليبيّ. أخرجت حافظة صغيرة، وسحبت منها كارت ناولته إياه قائلة: " هذا كارت
زوجي، فيه رقم تليفون المنزل، أرجو أن تطمئننا عليك بعد أن تصل بالسلامة".
وضع الكارت في جيبه دون أن ينظر إليه قائلا: " إن شاء الله سأفعل". أعطى
للرجل حسابه، وهَم بحمل الكرتونة فمدت يدها لتصافحه، وما إن مس يدها الطرية حتى
انزاحت غلالة الضباب التي كانت تغلف ذاكرته.
ظهرت صورة
الفتاة التي كانت قد تلاشت في زحمة الحياة ومشاغلها. هي نجلاء بعينها، ذات "
الملاية اللف " التي رآها لأول مرة أمام فُرن الخُبز، والتي سعت للتعرف إليه
عندما كان يعمل مع " المعلم سمير "على عربة فول في " شارع السبتية
". ثم ظلت تطارده بعد أن انتقل للعمل في المطعم بالشارع الجديد.
" طريق السلامة يا حلمي". قالت، وهي تضغط على
يده المرتبكة، وتمنحه نظرة ملؤها العتاب والشوق.
- الله يسلمك.
حانت
منه التفاتة للخلف عند مدخل الميناء. شعر أن نظراتها تحاصره. مازالت تقف على مقربة
من عربة الفاكهة. رفعت يدها مشيرة إليه. كانت الكرتونة على كتفه فأشار لها بيده
اليسرى إشارة قصيرة ومضى في طريقه، بينما قلبه يكاد يخرج من مكمنه. لولا أنها
اقتحمت عليه حجرته التي كان يسكن فيها ذات يوم ، ليفعل بها ما يشاء، لصارت الآن
زوجته.. هزته المفاجأة.. ترتعش الصور.. الوجوه.. تعود صورة الفتاة المقمرة من
حديقة السنوات الماضية. يعود جسدها الأنثوي المتفجر في التحرك، يراها تهز رأسها
يمنة ويسرة في دلال، تقتحم عليه حجرته في شارع " الخطيري"، تطعنه بنظراتها
الجريئة، تــ...(...). ينفض عنه ركام الذكريات سريعا.. يأخذ نفسا عميقا... ويمضي.
-
7
-
واسع مدخل
الميناء. يصعد بانحناء لطيف ناحية واجهته الزجاجية الضخمة، التي تعكس صور السيارات
المنتظرة أمامه، صور الداخلين بأمتعتهم إليه.. إلى بلادهم. تعكس صور القادمين من
بلدانهم المحببة إلى نفوسهم، إلى حيث الزحام والضجيج والوجوه التي لا تعبأ بأحد.
يصعد المدخل ناحية الواجهة الزجاجية، التي تسبقها مساحة خضراء، تنتظم فيها صفوف
الأشجار، وترقد أسفلها مقاعد رخامية ناعمة.
استقبلهما
هواء المُبَرّد المنعش في الداخل. كما استقبلهما موظف الأمن بكلماته التي ينطقها
بطريقة آلية: " ضعا أمتعتكما هنا ". تناولا أمتعتهما التي مررتها ماكينة
الفحص، على السير الدوَّار إلى الناحية الأخرى. اتجها ناحية مكتب حجز التذاكر.
كانت جميلة تسير بخطوات حذرة، حيث أنها شعرت بنعومة البلاط تحت قدميها. لاحظت أيضا
أن الجميع يسيرون في حذر وحرص، بينما تضرب أقدامهم الأرضية اللامعة في خفة بالغة.
أخبرهما الموظف، القابع خلف زجاج شباك قطع التذاكر أن حافلتهما سوف تتحرك في
الموعد المحدد، من أمام الباب رقم "16". سارا في اتجاه قاعة الانتظار.
كانت كافيتيريا المحطة عن يمينهما. لاحظت الفتاة أنه مكان أنيق بالفعل، ويستحق
الجلوس فيه خمسة جنيهات وأكثر، حتى وإن لم يشربا شيئا فيه. الطاولات عليها مفارش
بيضاء نظيفة. أصص الورود الصناعية على كل طاولة. الموسيقى الهادئة موزعة في المكان
الواسع بانتظام، حيث تسمعها أنَّى جلَسْت، وأضواء خافتة تبعث على الاسترخاء. فكرت
الفتاة أنه كان حري بهما أن يتناولا الشاي هنا... السلالم المتحركة تهبط بهما في
بطء لأسفل، حيث قاعة الانتظار، التي تحوي ما يقرب من أربعين بابا على الجهتين.
تقلع الحافلات نحو مدن وأقاليم مصر من أمام تلك الأبواب، في مواعيد صباحية ومسائية
محددة.
القاعة مجهزة بمقاعد مريحة، في صفوف متقابلة، على
مسافات بينية منتظمة. تفصل بينها أعمدة ضخمة، عُلقت عليها لافتات ضوئية لمأكولات
جاهزة، ومشروبات غازية. اتخذا مقعدين متجاورين وسط الجمع. وانتظرا أن يفتح السائق
خزائن الأتوبيس، ليضعا أمتعتهما. كانت شاشات العرض المنتشرة في القاعة تبث برنامجا
رياضيا شهيرا، يقدمه لاعب كرة سابق. جذب البرنامج أنظار المنتظرين. هي لا تتابع
البرامج الرياضية، ولكنها الآن مضطرة
لذلك. حين دققت النظر اتضح لها أنه البرنامج ذاته، الذي كان والدها يتابعه على
مضض، منذ دقائق في مقهى ذلك الأعرج. كان مقدم البرنامج الرياضي، ذو الصوت الأجش
يعلن للمرة الثانية أسفه، لأنه سيترك مشاهديه الأعزاء قليلا، ثم يعود إليهم
بأشواقه الغامرة بعد الفاصل الإعلاني.
" الفقرة
الإعلانية أفضل على كل حال". قالت في نفسها، وهي تتابع الإعلانات، محاولة قتل
الدقائق المتبقية، قبل موعد تحرك الأتوبيس. كانت تجلس قبالتها فتاة طويلة سمراء،
لا تكف عن العبث بهاتفها الجوال، الذي لم يكف بدوره عن الرنين. لكن الفقرة
الإعلانية التي ابتدأت شاشات العرض في بثها، جعلت الطويلة السمراء تتوقف عن العبث
بهاتفها. وتطلع اثنان من الشباب، كانا يقفان في عزلة، يتبادلان مقاطع "
البلوتوث". كما تطلع الكثيرين من الشباب ناحية الشاشة، وعلقت أعينهم بالإعلان
الشهير، الذي يروج لنوع رخيص من المنشطات الجنسية، يوازي "الفياجرا".
كان مقدم الإعلان يوضح بطريقة فجة المميزات التي تنتج عن استخدام هذا العقار،
والفترة الزمنية التي يمكن أن يظل مفعوله ساريا فيها. بينما يردد في النهاية
" خلاص يا حامد حتبقى جامد ". تشاغلت جميلة عن الإعلان بتفقد محتويات
حقيبة يدها.
من
المؤسف حقاً أن يتم الإعلان عن تلك المنتجات بهذه البذاءة، التي أثارت النخبة
المثقفة في الشارع المصري، كما أثارت العامة. إنه نوع من الفوضى العامة التي تمر
بها البلاد. لذا، ليس من الغريب أن يستغلها المستغلون، في الترويج لمنتجاتهم من
خلال تقليد الدعاية في الفضائيات الأوربية. بل إن علماء الأزهر الشريف دعوا، في
إسقاط واضح، إلى مقاطعة البرامج الرياضية، التي تكرس ثقافة المنشطات الجنسية، وكل
ما يتعلق بها.
كفت الفتاة عن العبث بمحتويات حقيبتها عندما
انتهى الإعلان، ثم أشارت إلى الباب الزجاجي الذي يحمل الرقم "16"، وسألت
والدها:
- أليس هذا هو
الأتوبيس الذي سيقلنا إلى الواحة؟
- بلى،
اطمئني، لن تشعري بوعثاء السفر. العربة مكيفة، بها شاشة عرض، ومقاعد مريحة.
لقد كَرِهَتْ
شاشات العرض بالفعل. كرهت برامج التليفزيون التي غالبا ما تضعها في أوضاع محرجة مع
والديها. ليست البرامج تحديداً، ولكنها فقرات الدعاية البذيئة، التي اقتحمت خصوصية
البيت...
لم تنس اليوم الذي كانت تجلس فيه بين والديها ذات مساء. كانت والدتها في
حالة مزاجية معتدلة، وذلك نادر الحدوث. تسامرهم وتضحك، تنظر في عيني زوجها مباشرة
وتبتسم، فتظهر أسنانها البيضاء في صفين منتظمين. أما والدها فكان يضحك لأقل كلمة
تقولها زوجته. كان يرجع برأسه للوراء وهو يضرب جبهته بباطن كفه. أما هي فقد انهمكت
في تقشير البرتقال... كانت سعيدة لسعادتهما، حتى دق جرس حلبة المصارعة، ليعلن
المذيع عن فاصل إعلاني صغير، انتشرت من خلاله ألفاظ ذات دلالات شديدة الخصوصية،
وطارت في فضاء البيت السعيد كلمات بذيئة، مُفَسَّرة وموحية جنسيا بشكل سافر. لقد
حط طائر الصمت على رؤوس الجميع فجأة، وتكهرب جو البيت. ضغط والدها على زر
"الريموت" في ارتباك عدة مرات، ثم استقر على قناة إخبارية. لكن المفارقة
التي حدثت، كانت تؤكد بالفعل بدء انهيار منظومة الأخلاق في المجتمع، وتراجع معايير
العيب. فقد رصدت مقدمة الفقرة الإخبارية عدة وقائع، حدثت في غضون أسبوع واحد، تشير
إلى إلقاء القبض على شبكة متورطة في تداول وإدخال مستحضرات طبية، وصيدلانية إلى
مصر. المحزن في الأمر أن تلك الشبكة كان يتزعمها طبيب معروف،
وقد تم ضبطه بعد عمل التحريات اللازمة، يبيع مستحضرات مخدرة، دون
وصفات طبية. إضافة إلى ضبط أدوية أخرى مزورة ومهربة، وجميع هذه الأدوية دخلت
البلاد بطرق غير شرعية، عبر شبكة من الأشخاص، كانوا يقومون بتهريبها. وأشار البيان
إلى أن الأدوية المضبوطة لدى الطبيب جلَّها
أدوية جنسية، وقطرة مثيرة للفتيات، وأدوية نفسية في منتهى الخطورة. إضافة إلى مستحضرات
صيدلانية غير مسجلة. فيما تم ضبط 21 " كرتونة" تحتوي على آلاف الحبوب من
الأدوية كانت بحوزة الشبكة. كأن الشعب المصري لم يعد له هماً إلا رغباته الجنسية...
كان حلمي يسند جبهته بيده وهو يزفر، بينما لم تكف مقدمة النشرة الإخبارية- وهي
تمنحهم ابتسامتها العذبة- عن بث أخبار مشابهة، خاصة بالقبض على أفراد أو عصابات
اتخذت من تهريب الأدوية الجنسية، والعقاقير المخدرة تجارة رابحة لها. ظل حلمي
صامتا لفترة، يحدق في الفراغ كتمثال. وشعرت الفتاة أنه يريد أن يعتذر عن شيء لم
يتسبب فيه(...). بعدها طلبت منها والدتها، في صوت خفيض، القيام ببعض شؤون المنزل.
اتجهت إلى المطبخ. تناولت بعض الأشياء التي لا تستطيع أن تتذكرها الآن, ولا حتى
تستطيع أن تتذكر ماذا فعلت بها؟ فقد كانت وقتها تفكر... فكرت في كل شيء، ورفرفت
الكلمات التي كان يبثها الإعلان, ومقدمة النشرة أيضا في فضاء المطبخ، فتوتر جسدها,
وارتبكت حركتها.
***
تململت
قليلا في جلستها. وضعت يدها على معدتها قائلة:
- أريد
أن أذهب إلى دورة المياه.
- ما بك ؟ قال
حلمي في اهتمام.
- لا شيء،
ولكني دائما ما كنت أشعر بتوعك في المعدة خلال الأسفار السابقة.
- دورة المياه هناك. قال حلمي مشيرا بيده ثم
تابع: " أترين السيدة التي ترتدي زيا أزرق؟"
- نعم. سأذهب.
كانت تشعر بالفعل باضطرابات خفيفة في معدتها.
لا تشعر بذلك إلا في السفر... كانت السيدة السمينة تجلس في زيها الأزرق الداكن،
أمام دورة المياه. بينما وضعت أمامها منضدة صغيرة، عليها حزمة من التذاكر، وطفلها
الصغير يلهو تحت أقدامها بدمية متسخة. عندما اقتربت بمسافة كافية قالت السيدة:
" جنيه من فضلك، رسم دخول"، وشرعت في قطع تذكرة من الدفتر الذي أمامها
بطريقة آلية... كانت السيدة الزرقاء تتفحصها وهي خارجة، ففكرت أنها ربما تطلب منها
جنيهاً ونصف رسم خروج من دورة المياه، على اعتبار أن " دخول الحمام مش زي
خروجه " كما يقول المثل. ودَّعَتْها ومشت دون أن تنتظر ردها، قاصدة المكان
الذي يجلس فيه والدها، وهي تشعر أن تلك السيدة ما زالت تتابع خطواتها.
كانت تتأمل ظهره وهي تقترب، ولاحظت إشارات يديه،
فعرفت أنه لابد غارق في حوار مع أحدهم. كان والدها مشتبكاً بالفعل في حوار مع
شابين يرتديان زياً إسلامياً قصيراً، ويجلسان في مواجهته. " ترى، أين ذهبت
الطويلة السمراء، التي كانت تجلس قبالتها قبل قليل؟". تساءلت في نفسها، ومسحت
القاعة بنظرات فاحصة. تلفتت في الاتجاهات كلها، حتى عثرت عليها أخيراً، إلى جوار
أحد الأعمدة الضخمة، التي تتوسط القاعة. كانت تضع هاتفها الجوال بالقرب من أذنها،
بينما تشع ابتسامة وضاءة من محياها. استطاعت جميلة أن تخمن بسهولة أن شاباً
يهاتفها على الطرف الآخر، وتحسست، دون إرادة منها، هاتفها الذي يرقد كجثة في حقيبة
يدها. هاتفها الذي لم يعد يرن، بعد أن قطعت علاقتها مع "كريم". ذلك
الشاب الذي أحبته دون أن تراه. أحبته قبل أن تسمع صوته، وحين تركت له رقم هاتفها
في رسالة على الفيس بوك، لم يحادثها في اليوم ذاته، بل تركها تتقلب على نار هادئة
عدة أيام. ثم أسمعها صوته، الذي كانت تشبهه بصوت فارس يأتي من حلم. وبعد أن أفاقت
من نشوة أحلامها تأكدت أن صوته كان يتماثل مع صوت الأستاذ " سيد " مدرس
الفلسفة الذي قدم إلى مدرستها بشارع ميرزا مع بداية العام المنصرم.
وقفت تتأمل
الفتاة، التي اتحدت بهاتفها بكل ما تملك من مشاعر. لم تكن تسمع ما تقوله الفتاة،
ولكن حركات جسدها الفارع كانت تترجم كل كلمة تتحرك بها شفتاها. لقد هاتفت حبيبها
من قبل، وخبرت ذلك الشعور. كانت تشعر بروحها ترفرف كطائر، يكتشف العالم للمرة
الأولى… لماذا تطغى صورته الآن على المشهد كله!! صورته التي حفظتها عن ظهر قلب،
عيناه العسليتان، شعره الأشقر المنسدل، تقاطيع وجهه الملائكية. هي لم تره يوماً
حقيقة، ولم تقابله. لكنها حفظت أدق تفاصيل صورته. تلك هي الصورة الوحيدة التي ظلت
تحتل " البروفيل " على صفحته، لم يغيرها قط…
لقد ظل أمر تشابه
صوته مع صوت مدرس الفلسفة الجديد يريبها لفترة. حتى كادت أن تجن من هذا الأمر. لقد
كان أول شخص يرسل لها طلباً للصداقة مشفوعاً برسالة تقول: " هاي جميلة، أنا
كريم، عمري 22 سنة، ويسعدني نتعرف ونبقى أصدقاء". ظلت حائرة لفترة، من أمرين،
أولهما: ذلك التشابه الكبير بين صوته وصوت الأستاذ سيد، أما ثانيهما فكان الأستاذ
" سيد" نفسه. هو لا يُدَرِّس لفصلها، لكنها لاحظت أنه يتبعها في كل مكان
تقريباً. تلمح شيئاً ما مختلفا في نظرته إليها. هي تشعر أنها قريبة إليه من زاوية
ما، لكنها لم تكن تشعر نحوه بأي عاطفة. احتارت فترة، ثم ابتدأت في تناسي الموضوع،
وهي تقنع نفسها في كل مرة أن الدنيا مليئة بأشخاص متشابهين وبأصوات أناس متشابهة
أيضاً.
-8–
انسحب من الفراش في نشاط ملحوظ على الرغم من برودة الجو. كانت
دقات الساعة التي تنبعث من "الترانزيستور"
الصغير الملقى على " الكوميدينو
" إلى جوار السرير تعلن السابعة صباحاً في إذاعة القاهرة. كان قد أتم طقوسه
الصباحية ووقف حائراً أمام قمصانه الثلاثة، أيهما يناسب اليوم الأول لبداية العام
الدراسي، واليوم الأول له في التدريس؟ ما هي إلا لحظات حتى امتدت يده في حركة تلقائية
إلى القميص الرمادي الذي اشتراه بالأمس. هو يفضل ذلك اللون.. أخرج بنطاله
"الجينز" الجديد، رفعه لأعلى وتركه ينفرط أمامه في حركة صبيانية. وقف
أمام المرآة.. جرب عدة مرات إدخال القميص في البنطلون، ثم رأى أخيراً أنه من
الأفضل إطلاق سراحه لينسدل على حزام جلد طبيعي قديم. لم يدقق من قبل في اختيار
ملابسه بهذه الطريقة، ولكن هذا اليوم له ظل أخضر خفيف، أحس أن هذا الصباح يتعاطف
معه بطريقة ما.
بالتأكيد
هذا صباح مختلف.. سوف يعمل مدرساً كما تمنى، وسيكون له راتبه المستقل عن راتب
والده. ألقى نظرة فاحصة على هندامه، دار نصف دورة أمام المرآة على مشط قدمه اليمنى
ثم ابتسم لنفسه وخرج.
استسلم جسده لأشعة شمس سبتمبر الدافئة. كانت
دفاتره تحت إبطه بينما يسير في اتجاه المدرسة وهو يفرك يديه متبختراً في مشيته..
شارع " عش النحلة" الذي يقطن فيه شارع عتيق ببناياته المجهَدة التي ترجع
إلى أكثر من مئة عام. يشعر أن أعين البشر جميعاً تتابعه.. تشير بأصابعها إليه:
" ها هو الأستاذ " سيد " مدرس الفلسفة.. انظروا إلى وسامته وحسن
مشيته". قطع عشرات الخطوات سابحاً في فضاء أوهامه ليصبح في شارع "
ميرزا".. في واجهة المدرسة ثبتت لافتة كبيرة سوداء :
( مدرسة ميرزا الثانوية البنات)
(
تأسست عام 1960 م )
قابلته مديرة المدرسة بابتسامة مقتضبة، كانت
منكبة على بعض الأوراق. ترفع عينيها إليه بين الفينة والأخرى. أخبرته، بعد كلمات
الترحيب الضرورية في مثل هذه المواقف، بأنه لن يتعب في العمل مع الزملاء
والزميلات، كما أن المدرسة تخلو من المشاكل
وأنها تقود العمل بدبلوماسية ومرونة كبيرتين.
خرج
من مكتب الإدارة ومضى يتفقد المكان... أحس بنوع من الألفة والدفء تسرى بين عروقه
وهذه البناية العتيقة، ذات الحوائط السميكة الشاهقة، والنوافذ إسلامية الطراز.. هل
أتى إلى هنا من قبل، أم أن الإنسان يمكن أن يتوحد مع وجوه وأماكن وأشياء يراها
لأول مرة؟ بل يصل الأمر أحياناً إلى نوع من الغبطة الصوفية.. تلك التي تعشش في
قلوب المجاذيب، فإذا رفرفت داخلهم، تطوحوا في انتشاء: "حَيّ".
***
رآها ذات صباح تسير كنمرة متحفزة، في الممر
الضيق المفضي إلى أرض الطابور. وقف يتفحصها عندما مرت بجانبه، تابع تفحصها: بيضاء،
عسلية العينين، ممشوقة القوام، تخطر في مشيتها على نسق موسيقى مثير، وظهرها
المعتدل مثل مُجَنَّد في يومه الأول يجعل صدرها ناهضا، مستنفراً أكثر مما ينبغي!!
لاحظت نظراته التي تكاد تنطق، وكان المدرسون والمدرسات يقفون فرادى وجماعات في
أماكن متفرقة من الفناء. لهثت في أثر خطوتها كل جوارحه، وفتحة شقية من الخلف في
جيبتها كحلية اللون تطل منها ساق بيضاء ملفوفة. لفت نظره حذاؤها الرياضي وردي
اللون، ومؤخرتها المستديرة المتناسقة. رآها تميل نحو إحدى زميلاتها وتتبادلان
كلمات قصيرة في ابتسامات مقتضبة. استرق نظرات عاجلة إليها. أما هي فقد ارتبكت
قليلاً عندما لمحته يتابعها بين لحظة وأخرى وداخلها شعور أنه ربما يعرفها، أو ربما
رآها في شارع الأحمدين من قبل.. قطع صوت مدرسة التربية الرياضية أفكارهما: تحية
العلم، مدرسة انتباه.
يقف في مواجهتها من الناحية الأخرى. المسافة
التي تقطعها النظرة بينهما أقل من خمسة عشر متراً. أخرج قوسه، ثبت السهم جيداً، شد
الوتر إلى أقصى مدى، ثم انطلقت نظرة ثابتة استقرت في عمق عينيها الواسعتين. أرخت
أهدابها بسرعة، وزمت شفتيها ممتعضة من أفعاله، وخمنت أن ذلك الشاب الُمعجب بنفسه ربما
خرج من باب الجامعة ليدخل باب مدرستها الثانوية.. آلمته وخزة مفاجئة في جانبه :
"
تحية العلم انتهت، ألم تسمع؟". التفت مبتسما فإذا هو صديقه الجديد، الأستاذ
"عاطف" مدرس الكمبيوتر.
سارا معا خلف طابور الفتيات الطويل الذي بدأ
في الصعود إلى حجرات الدراسة. كانت تمشى أمامهما بمسافة قليلة، تمشي مثل إوزة..
يتمطى صدرها أولاً ثم مؤخرتها في خطوة قصيرة راقصة، رأسها مرتفع دائماً، وكأنها
تنظر إلى شيء أعلى من مستوى قامتها. تمنحها هذه النظرة بعضاً من كبرياء.
-
9
–
توارت صورة حبيبها السابق بابتسامته العذبة، حين
أنهت الطويلة السمراء محادثتها، واتجهت ناحية ثلاثة من الفتيات، كن يقفن بجوار
الباب الزجاجي الذي يحمل الرقم "16". أما هي فقد غابت في شهيق طويل، وهي
مغمضة العينين، محاولة سد الثغرة التي أحدثتها في جدار الذكريات... كان المنتظرون
من أهل الواحة يتضاحكون، ويتبادلون تعارف الأسماء.. أسماء عائلاتهم.. قراهم..
أقاربهم.. أعمالهم. استلقت جميلة على المقعد الشاغر، بجوار والدها الذي أخبرها من
قبل أنه يستطيع تمييز أهل الواحة من بين ملايين الأشخاص. كان الشاب ذو الجلباب
القصير، الذي يجلس قبالتهما يؤكد - في لهجته الواحية التي تميزه- أن مجموعة من " البلطجية " استطاعوا
تخريب شارعا بأكمله في "عين شمس"، والاستيلاء عنوة على مبالغ مالية
كبيرة، من المحلات التي لم يستطع أصحابها إغلاقها قبل وصولهم. عقد والدها أصابع
يديه، وضمهما إلى ذقنه، وهو يميل قليلا للأمام، عندما كان الشاب الآخر يعقب على
حديث صاحبه:
- حتى الطريق
الدائري، صار الآن مرتعاً لقطاع الطرق.
- ألا ترى أن
انسحاب الأمن بهذه الطريقة المفاجِأة هو أمر يدعو للريبة؟ قال أحدهما موجها حديثه
لوالدها.
- بالطبع، هناك حلقة مفقودة، وخلل ما. لكن
علينا أن نتحلى بالشجاعة والصبر، لأن تلك الفوضى لن تستمر طويلا. أجاب حلمي، وهو
يهز قبضتيه المتشابكتان في الهواء.
- بلى، سوف تستمر أطول مما تتخيلون. تعتقدون
أن النظام قد أسقط بالفعل، تقولون أن رأس النظام قد قطعت. لكن ما لا تدركونه أن
ذلك النظام " كالميدوزا"، له رؤوس عدة، إذا قُطعت إحداها نبتت مكانها
أكثر من رأس. قال الأول محتدا. كان صوته يعلو بالتدريج، مما لفت إليه أنظار عدد
كبير من الجالسين، الذين نفضوا أحاديثهم عن الواحة وتابعوا الحوار...
- أرى أنك تقول: " تتخيلون، تعتقدون،
تدركون. مَنْ تُخَاطٍب بكل هذه التاءات؟ إن فيها تلميح واضح إلى " نحن ،
وأنتم "، فهل تعتقد يا بني أن شعب مصر، المتحد في نسيج واحد منذ أقدم العصور
صار الآن منقسما إلى معسكرين؟ قال حلمي بصوت أكثر انخفاضا. أما الشاب فلم يعقب على
تلك التساؤلات، لكنه قال بعد أن تنهد:
- يا أخي، أنا لست صغيراً لدرجة تجعلني في عمر
ابنك. كان الشاب في عمر جميلة تقريباً، وكان حلمي يدرك ويقدر حماسه في ذلك العمر،
فما كان منه إلا أن قال، وهو يرفع سبابته لأعلى: " اسمع يا أخي طالما لا
تعجبك لفظة " يا بني " . الثورة ليست بالكلام، بل بالقُدرة على التغيير،
وأنتم أيها الشباب إن لم تكونوا قد قرأتم عن تاريخ الثورات في مصر، فاقرءوا قبل
التشدق بالكلام وقذف الاتهامات دون التثبت. ارجعوا إلى كتب التاريخ لتعلموا أنه
لابد للثورات من ضحايا. يخدعك من يخبرك أن هذه الثورة أو تلك هي ثورة بيضاء... لا
ثورة بلا دماء. لقد قاوم المصريون جيش الحملة الفرنسية – وهو أحدث جيش في أوروبا
آنذاك – بالنبابيت والعصي، وكتب أهل بولاق أنصع صفحات التاريخ المصري في نضالهم ضد
الفرنسيين.. بعزيمتهم وإيمانهم بقضيتهم فقط... أخبرني الآن بالله عليك. هل نزلت
إلى الميدان في خضم الثورة، أم مارستها بعد ذلك على الفيس بوك؟ ".
-
10
–
لاحظت جميلة أن الحديث بين والدها وهذين
الشابين قد زادت حدته، مما زاد من توترها، فأشارت له ناحية الفتيات الواقفات إلى
جوار بوابة المغادرة، ففهم الأمر وأومأ لها برأسه موافقا. مما حدا بها أن
تسرع بالتحرك، غير آسفة على ما سيفوتها من
حديث... أما ذلك الشاب فكانت لديه كلمات أخيرة يقولها: " كانت الثورة إلهاما
من السماء. لقد صدق الشيخ فُلان إذا قال يومها: " أن الله وحده هو الذي أسقط
النظام" ." قال الشاب ذلك ثم التفت إلى صديقه يحدثه في أمور أخرى لا تمت
لهذا الحديث بصلة. تعجب حلمي من تصرفه، وحدثته نفسه:" هكذا يصبح أمامنا مئات
الأعوام حتى نتقدم"... أسند ظهره على المقعد ومالت رأسه للوراء.. شرد بفكره بعيداً..
إلى واحته.. بعيداً عن صوت مقدم البرنامج الرياضي الذي يبثه التلفاز. شاردا عن
الأحاديث الجانبية بين المسافرين. وكان الشابان قد قاما،
وانتحيا جانبا، وجلس مكانهما
شخصان آخران، لكنه لم ينتبه.
- 11 -
كان لا يزال
صبياً يافعاً، عندما قابلته العمة " فوز " في ذلك الصباح. هذه العجوز
بوجهها المتغضن، ما زالت تنكل بالغادي والرائح. حتى بعد أن عاد ابنها " حَمَّاد
" ذات صباح، بعد غياب طال لسنوات. كان حماد قد هرب بعد أن ضربه أبوه، ولم
يُعْثَر له على أثر. ثم ما لبث أن مات والده بعد أن أنجب ولداً آخر تاركاً "
فوز" في فورة نضجها. ظلت والدته تبلل وسائد الليل بدموعها الحارة. لم تذق
للنوم الهادئ طعماً، فكانت كلما خلدت للنوم داهمتها الكوابيس، فتهب
مفزوعة تتلفت حولها، فلا تجد من يمد لها يده بشربة ماء.
هي التي تخرج كل يوم بعد الظهيرة، بقلة الماء
الباردة، فتروي عطش الرجال الذين دائماً ما يأخذون قيلولتهم أسفل شجرة الكافور
العتيقة أمام بيتها. منذ أعوام طويلة ورجال القرية يقيلون كل صيف تحت شجرتها، وهي
تروي عطشهم بقلتها الباردة، وتهب مفزوعة من النوم فتجد نفسها وحيدة لا تجد من
يسقيها... طيف ابنها حماد في البيت أمام عينيها في كل لحظة. تجلس على مائدة
الطعام، تزدرد لقيمات صغيرة، وتقوم دامعة دون أن تشبع. ينتفض قلبها كلما طرق أحد
بابها، تندفع خارجة حاسرة الرأس آملة:" ربما يكون حماد قد عاد". وإن
سمعت جلبة خارج البيت هرولت مسرعة، فربما يكون ابنها قد عاد، وإن تنهد أحد إلى
جوارها فزعت وساورتها الشكوك: " ربما حدث لحماد شيء في غربته، ولا يريد أحد
أن يخبرها".
هكذا قضت
الأعوام المنصرمة كلها، تمشي وتنام على شوك الأمل والذكريات. ظل الجميع في الواحة
يتحملون لسانها السليط، ويشفقون عليها. كانوا قد فقدوا الأمل في عودته، إلا هي. كانت
تعرف أنه سيعود.
عاد"
حمَّاد " ذات صباح بعيد، وهو يجر ابنته " صابرين " خلفه. تلك
الفتاة التي أنجبها من زوجته القاهرية، التي ظلت معه لفترة. كانت أسوء فترات
حياته، فطلقها وفر ناجيا بجلده، وبابنته صابرين.
صار عبدون في
تلك الأيام، يعتمد علي ابنه حلمي في أمر إدارة الطاحونة. فقط في اليوم الذي يكون فيه
مشغولا بري أرض عائلة " مقلد".
قابلته في زقاق الطاحونة في صباح يوم شتوي قاس.
كانت تسير حافية، غير عابئة بالبرد، وقد أصبحت انحناءة ظهرها الخفيفة أكثر وضوحاً،
من جراء حطب الوقود الذي تحمله على كتفها. كان حلمي يسير متأنياً ضجراً. دققت المرأة
فيه طويلاً بعد أن ضيقت حدقتي عينيها، محاولة قدر جهدها أن تتعرف عليه :
- أنت حلمي،
ولد عبدون. أليس كذلك؟
- نعم يا
جدتي.
- لم يعد لدينا ما يكفي من الخبز. سوف تأتيك صابرين
بالقمح كي تطحنه. هل أرسلها الآن؟
- لا يا جدة. قال لي الشيخ " سليمان
" أنه سيرسل أحدهم بالقمح، كي أقوم بطحنه الآن.
- هل ستقوم أنت بطحنه نيابة عن الثور؟ لا فرق،
أنت والثور واحد.
- هأ، هأ. كلك ذوق يا جدتي.
- متى أرسل البنت إذن يا مكسور الرقبة؟ قالت
العجوز مهددة إياه. لكنه ضحك ضحكته العالية التي يشتهر بها قائلاً:
- إن شاء الله بعد الظهر، هذا إن كان لنا أجل.
قال ذلك ومشى يدب الأرض بقدميه الكبيرتين، فقالت العجوز ساخرة:
- لا تدب الأرض هكذا، وأنت تسير يا خروف. ألا
تخشى أن تلبسك العفاريت؟
- أين هم العفاريت يا جدتي؟
- ألا تدري يا مغفل؟ الأسياد هنا. وأشارت إلى
الأرض ثم تابعت قائلة: "هنا، تحت الأرض ".
- لا أسياد تحت الأرض... نحن الأسياد. الأسياد
دائما يكونون في الأعالي. قال ضاحكاً ثم تابع : " ثم ماذا يضيرني لو لبستني
جنية جميلة، فربما تريحني من عناء الحياة هنا... ثم إنني سأطلب منها أن تطير بي
مباشرة إلى مصر. أريد أن أرى أم الدنيا.
- متى أتعبتك الحياة يا صغيري. أنت لم تر شيئا
بعد. قالت العجوز، ثم تنهدت طويلاً وهي تتمتم : " اللهم رد كل غائب إلى
أهله".أما هو فقد تركها ومشى... كانت ما زالت واقفة تتأمل ظهره، وبعد أن سار عدة
خطوات سمعها تقول: "سبحان الله، نسخة أخرى من عبدون، غير أن هذا "المفعوص"
يظن نفسه شيئا".
عاد حلمي،
ووالده من صلاة الفجر. دخل حجرته، واستكان إلى الفراش قليلا، قبل أن يبدأ مشواره
إلى الحقل. كان والده يرتل بضع آيات، قد حفظها من كثرة ما سمعها في الصلاة. صوته
الأجش يملأ البيت. يبدو صوته هادئا، وصافيا في ذلك الوقت المبكر من اليوم. صوته
يجوب الحقول، ويمتد حتى ينتهي عند حدود الصحراء.
كان والده قد
سبقه إلى الحقل. انطلق حلمي خارجا من البيت، وقاصدا الحظيرة. كان يسير في الزقاق
مستمتعا ببقايا نسائم الليلة الفائتة، وضجة أواني ومواعين الطعام في البيوت، تعلن
بدء يوم جديد. دخل الحظيرة. هرول هنا وهناك. أدى واجباته كما ينبغي، سعل قليلا. ثم
قصد مَرْبَط "العجل" الصغير، فك قيده، وفتح له الباب. فاندفع الصغير
أسفل ضرع أمه المليء باللبن. يضربه ويمصه في لهفة، وهو يحرك قائمتيه الخلفيتين
ويهش بذيله. جلس حلمي تحت البقرة. سحب العجل الصغير المتشبث بضرع أمه. سحبه عنوة،
فتململ العجل محاولا المقاومة. لكنه شده من مقوده، وقيده في قائمة البقرة اليمنى،
حتى يظل ذلك الصغير بجوارها وهو يحلبها. لا يستطيع أن يحلبها إلا إذا كان وليدها
ملتصقا بها. وضع "مَحْلَب" اللبن بين فخذيه. غسل ضرعها جيدا بما في
المحلب من ماء، ثم بدأ يحلبها... كان العجل يرفس الأرض. ويهز رأسه الصغير، كأنه
يهدد صاحبه بالابتعاد، وحلمي يدفعه بعيدا في رفق بين الحين والآخر، حتى أخذ ما
يكفيه من اللبن. وهنا فك مقود العجل، وتركه يرتع كيف يشاء. ملأ محيط ذراعيه علفاً،
وألقاه أمام البقرة. وما إن رأى الحمار ذلك حتى شرع في نهيق متواصل. " صبرا
أيها المتسرع، أنت تعرف أني لن أنساك". كان حلمي يحدث حماره بصوت مسموع وهو
يبتسم. هو يحب هذا الحمار ويعزَّه، منذ أن أشتراه له والده من " علوي "،
بائع الحمير.
قال له علوي
" لقد أهديتك حمارا سريعا، لكن لابد أن تعلفه جيدا". وها هو يأخذ
بالنصيحة فلا يبخل عليه. كان كلما ألقى أمامه حزمة من البرسيم، يربت عليه قائلا :
" كُل يا حماري، ولا تدع حمارا آخر يسبقك". كان الحمار ينفذ كلام صاحبه،
ولم يخذله يوما. كأنه كان يسمعه.
وجد أن
الشمس قد فرشت المكان. وضع " البرذعة " فوق ظهر الحمار، وشد رباطها على بطنه، ثم سحبه
وراءه وخرج..
لقد تأخر بالفعل. لابد أن أصدقاءه قد سبقوه إلى الحقل. حتماً
سينجزون
أعمالهم قبله، بينما تسخن الشمـس فوق رأسه. يسيل العرق المالح من جبهته، وتسقط
نقطة في عينه. يغرس المنجل في الأرض. يرفع
طرف جلبابه ويدعك عينيه، لاعناً اليوم الذي صار فيه أبوه فلاحاً. وحدثته نفسه: "
لو أن يوم الجمعة لا يأتي!!".
ضرب الحمار على مؤخرته بعصاً في يده، يستحثه
على الإسراع. فانطلق حماره العفي في طريقه الذي ألفه، مخترقا أزقة القرية. كان
الدخان الأزرق يخرج من كوات صغيرة في أسقف البيوت راسماً أشجارا وحيوانات ذات
أحجام مختلفة في فضاء القرية. وكانت بضع إوزات تمرح
في
الزقاق، تنقر الطين وترفرف بأجنحتها... يبدو أن الحمار قد شعر بتوتر راكبه، فانطلق
مسرعا دون توجيه. لكن صاحبه كان قد شد المقود قليلا، ليبطئ الخطو، فاحتار الحمار...
كان ذلك قبل شجرة الكافور العتيقة التي تنتصب أمام بيت حماد. وها هي تنبؤات قلبه
تصدق، إذ خرجت صابرين ابنة حماد، وبين يديها إناء يتأرجح
قليلا. كانت تجاهد كي تحافظ على اتزانه. تهلل وجهه، وأضاءت الفرحة حدقتي عينيه
عندما رآها. نظرت إليه وابتسامتها الوردية تمرح فوق شفتيها. كاد قلبه أن يقفز
خارجاً من مكمنه... سكبت المياه من الإناء في تمهل، وعلى عدة مراحل. كأنها لا تريد
للمياه التي في الإناء أن تنفد، وفي كل مرة تمنحه نظرة، تُغْنِي عن مئات الكلمات.
كان الحمار يدق بحافره الأرض، ويهز رأسه يمنة ويسرة، فترتطم أذنيه الطويلتين في
بعضهما البعض. وحلمي يشد مقوده في لطف ويربت على رقبته ليهدأ. مشاعرهما طازجة،
عفية وثائرة، وفي قمة فورانها. فالنظرة الولهة، التي يتبادلانها تكفي كي تحملهما
على بساط من البهجة لا ينقطع. إن لمسة يد تكفيهما كي يغيبا عن هذا العالم:
-
صباح الورد يا صابرين . قال حلمي.
- صباح الخير. لقد تأخرت عن موعدك اليومي.
- وما أدراكِ بموعدي؟
- العصفورة تخبرني بكل شيء.
- هي إذن أكثر حظاً مني. طالما أنها تتطلع
لهذا الوجه المُقْمِر. وكانت تسكب الماء على
مهل، حين قال حلمي مغازلا: " يا ليتني إناء في يديكِ ". فردت عليه
مباشرة، وهي تضحك: " مَنْ تلك التي تستطيع أن تحمل إناءً بهذا الحجم؟ هيا كي
لا تتأخر، فيضربك أبوك". كان يعرف أنها تغيظه، فأجاب: " لا يا غزالة
البراري. أنا وأبي أصدقاء"... كان الذباب يضايق الحمار في وقفته. فما إن أرخى
له المقود حتى انطلق في طريقه لا يلوي على شيء.
لقد دخلت تلك الغزالة الشاردة قلبه، منذ أن
رآها تنزل من السيارة. في أول يوم من وصولها للواحة. كان يحلم بالسفر إلى القاهرة
قبل أن يراها. ثم اتخذ قراره النهائي بالسفر بعد أن عششت في قلبه.
***
صحت
القرية في ذلك الصباح على صوت بوق سيارة. يبدو أن المسافرين – الذين سبقهم خبر
وصولهم إلى القرية – قد وصلوا من القاهرة بالفعل. ما هي إلا لحظات حتى كانت القرية
عن بكرة أبيها قد خرجت لاستقبالهم. وكذلك خرج هو، قاصدا مصدر الضوضاء. الأرض طرية
تحت قدميه، والهواء البارد يحرك أغصان الأشجار، وجريد النخيل. لمح سيارة "
بيجوه" بيضاء تقف في ظل شجرة الكافور العتيقة، أمام بيت العمة " فوز
". جثمت صناديق، وحقائب ضخمة، شُدت بواسطة حبال بلاستيكية ملونة على سطحها. تفحص حلمي الوجوه التي أخلت مواقعها الآن من
السيارة. وجوه بيضاء نظيفة!!
جذبه وجهها المضيء من خلف زجاج السيارة. ثم عبث
الهواء بتنورتها عند نزولها، فانكشف ساقاها المدملكتين. حملق حلمي. غطس قلبه في
داخله، حتى ارتطم بصخور القاع. بالكاد بلع ريقه الذي جف وارتفعت نظراته كي تصافح
بقية جسدها. أردافها الممتلئة. خصرها الضامر. ثم أُعجب أيما إعجاب بنظرتها القاتلة.
نهداها ناهضان، شفتاها ورديتان مكتنزتان. قال حلمي في نفسه: " هذه الفتاة
لي".
***
ظل طوال ذلك
اليوم يتأمل ملامحها المختزنة في مخيلته. وحين ترك جسده في الظهيرة يسقط على
الفراش، في حجرته المعتمة. اخترق سقف الحجرة راحلاً في سماوات وفضاءات أخرى،
وراحت صورة البنت تسبح في نهر ذاكرته...
عندما استيقظ من النوم، وجد سرواله مبللاً من
لذة الحلم. طوح يده في الهواء لاعناً النوم والأحلام والبنات، وركل كل ما قابله في
البيت من أشياء. ماذا سيقول لوالدته التي جهزت له – على مضض – طستاً نحاسيا،ً
وقدراً مليئاً بالمياه الساخنة كي يستحم قبل سويعات؟؟ ومما زاد الطين بلة، أنه لم
يتبق إلا القليل من الحطب المعد للوقود اليوم . امتعض لهذا الخطأ غير المقصود ولعن
في سره المواقد البدائية. لزاماً عليه الآن أن يذهب ليحتطب، لكن رأسه اصطدمت في
"مَحْلَب" اللبن الفخاري، المعلق بحبل من " الليف " في سقف
الحجرة الواطئ، فتشظى فوق رأسه وأغرقه باللبن. خرجت الأم من المطبخ مهرولة على صوت
ارتطام، فقد سقط الوعاء الفخّاري على رأسه، بعد أن انقطع الحبل فبلل اللبن ملابسه،
ثم اصطدم بالأرض محدثاً صوتاً مأساوياً:
- لقد أصبح هشيما. قال نادماً.
ضربت
الأم على صدرها براحة يدها:
- هل حدث لك شيء يا بني؟.
- لا يا أمي. لا شيء ... لكني هكذا لابد أن
أغتسل.
- لا تشغل بالك. قالتها وهى تطوح يدها بلا
مبالاة .
فرَّعت
بين ضلوعه زفرة حارة، أطلقها مرة واحدة، وهو ينظر في ارتياح إلى السماء .
***
حميت الشمس على حلمي في الطريق. أخرج " شَمْسِيَّة
الخوص". وضعها فوق رأسه، وزفر زفرة يأس قائلا في نفسه: " حتماً سيسبقني
الرفاق إلى الحقل".
المسافة بين القرية والحقول بعيدة. قطعها حلمي
بحماره السريع في نحو نصف الساعة. لمح
صديقه " بركات " ابن حمودة في منتصف الطريق يغذ السير. يضرب حماره،
ويتلفت للوراء. ففهم الأمر. إن بركات لا يريد له أن يلحق به. لزاما عليه الآن أن
يلحق به، نكاية فيه... لم يفعل شيئا لأن حماره انفلت مسرعا لما لمح حمار بركات
البني أمامه فلحق به في دقائق:
"
صباح الخير يا بركات، كيف حالك؟ وكيف كان صباحك؟". قال حلمي محييا صديقه.
"
صباح " اللت والعجن " يا سيدي. ما شأنك أنت؟ إن صباحي يخصني وحدي. ُثم
إنه أجمل ما يكون". قال بركات مغتاظا.
"
مرحى، مرحى. هذا ما أحب أن أسمعه. هيا، فلنسرع، وراءنا عمل كثير"
سار بركات بجانب حلمي، ثم نغز الحمار بكعبيه،
فوسَّعَ من خطوته، وسبق حمار صديقه، فقال هازئا: " لا، ليس هكذا. لا أريدك أن
أتعطل بسبب حمارك الضعيف. قُلْ له أن يُسرع. قل له يا حلمي، لابد أنكما تفهمان
بعضكما". قال بركات وغرق في ضحك متواصل.
"
نعم يفهمني يا ذكي. ألا تعرف أن الحيوانات تفهم؟ إنها أحياناً تفهم أكثر من بني
آدم... يا بركات الحمار يفهم". قال حلمي هذه العبارة وألصق اسم الحمار باسم
صديقه متعمدا. غضب بركات، وفهم أنه لن يقدر على مجاراة صاحبه الآن فسكت. إلا أن
حلمي لم يسكت، لكنه تابع قائلا:
"
تعرف أن الطريق طويل، والعبرة بالخواتيم يا صاحبي... المهم أن يستمر حمارك في
الهرولة هكذا، دون أن تتقطع أنفاسه. لكن نفسه قصير مثل صاحبه. اسمع لقد حكى لي أبي
حكاية طريفة تقول أن رجلا كان يركب جملا له، وكان يسير مع جماعة نفر في طريقهم إلى
بلدة مجاورة. كانت الإبل مُحَملة بالحبوب، بغرض بيعها في تلك البلدة الأخرى. المهم
يا سيدي أن الرجل نزل ليقضي حاجته خلف شجرة، فتأخر عن الركب، وغابوا عن ناظريه.
سار الرجل في أثرهم، وهو يضرب جمله، ويحثه على الإسراع ليلحق بهم. وفي الطريق
قابله شيخ عجوز يركب دابته فسأله الرجل عن الركب، فأجابه أنهم أمامه على بعد مسافة
كذا ونصحه قائلا: " إن سرت متمهلا ستلحق بهم، لكنك إن تعجلت فلن تلحق
بهم". لم يأخذ الرجل بنصيحته وظل يضرب الجمل ، ويستحثه على الإسراع حتى انقطع
الحبل الذي يوثق " حِمْل " الحبوب فانفرطت الحبوب على الرمال. وضاع
مجهوده سدى. عندها فقط أيقن أن في التأني السلامة وفي العجلة الندامة". هنا
صاح بركات مغتاظا:
"
ياه. كل هذه الحكاية لتخبرني أن في التأني السلامة؟؟ إنك ثرثار مثل والدك
عبدون".
حين أصبحا على مشارف الحقول امتلأت أنفيهما
برائحة زهر الزيتون، الذي بدأ في التساقط. وخرجت مكانه ثمار صغيرة في حجم حبة
الحمص. الدواب تعرف طريقها جيداً. دخلا في ممشى طويل، بين بساتين الزيتون، تحف به
من الجانبين أشجار الكافور الباسقة، صانعة بساطاً متواصلاً من الظلال الكثيفة. نهق
حمار حلمي في انعطاف الممر، وتردد صدى نهيقه في المكان، فردت تحيته الحمير الأخرى،
من أماكن متفرقة. افترق الصديقان، كُل إلى حقله، واتفقا على الالتقاء عند حقول
البرسيم مع "سعد" و"عبد العليم".
مر
حلمي متجاوزاً البئر الذي حفرته الحكومة لري بساتين الزيتون منذ عامين. كانت هناك
آبار قديمة قبل هذا البئر، ولكن مياهها قلَّت حتى توقفت تماماً. تندفع مياه هذا
البئر بقوة، ويُسمع خريره عن بعد. يتدفق في حوض خرساني كبير. سيتوقف هذا البئر
يوما، وستولد آبار أخرى... قال له أبوه يوما: " هذه هي سُنة الحياة. بئر يولد،
وبئر يموت. كما الإنسان تماما. فالإنسان الذي يموت يفسح الطريق لغيره كي يبدأ
الحياة ". يقول عبدون:" إن الحكومة تفعل الآن كل ما في وسعها، كي توفر
المياه للبشر والدواب، وأنه لولاها لأصبحت واحتنا الآن قفرا، ينعق فيها الغراب،
فلا يجد له قرينا يرد عليه". عندما كانوا صغارا كانت أمهاتهم تخوفهم
بالحكومة:" لو فعلت كذا ثانية ستأخذك الحكومة". لدرجة أنهم اعتقدوا وقتها
أن الحكومة هي التي تدخل الناس الجنة أو النار.
خلا الطريق إلى حقول البرسيم إلا منه. ترك الأمر
لحماره المبرمج تلقائياً. والذي بدأ يتوقف بين حين وآخر، كي يشم روثا طازجا،
مبعثرا في الطريق. ثم يرفع رأسه عالياً، مستنشقاً كل ما علق بأنفه من رائحة. كان
مستسلماً للظلال الوثيرة التي تخيم على الممشى الذي تحفه حشائش "
الحلفا" بكثافة على الجانبين. حاول أن يستمتع بها قدر طاقته، قبل أن يبدأ
برنامج العمل الممل .
عندما وصل إلى حقول البرسيم كان سعد قد انتهى
بالفعل من ملء " القفتين " برسيماً. أما حماره فقد نشط فجأة، وحث الخطى.
حاول أن يشد مقوده ليخفف من سرعته التي بدأت تزيـد ولكن عبثاً. اختل توازنه حين
قفـز الحمـار فجـأة، منطلقاً ناحية حمارة سعد، التي فشخت قائمتيها
الخلفيتين وأخذت في التبول. كانت أذناها مضمومتين للخلف في موازاة رقبتها التي
امتدت للأمام. وشرع فمها الخالي من البرسيم يلوك الهواء.
حاول حلمي استعادة توازنه، والسيطرة على
الحمار الذي فقد أعصابه، وبدأ في نهيق متواصل. قفزة أخرى من الحمار طرحت صاحبه
أرضاً، وتكومت البرذعة فوقه... الحيوانات لا تستحي. إنه نداء الطبيعة، تطلبه في
وقته. تركا الأمور تسير في مجراها الطبيعي، رغبة في مشاهدة الموقف الذي احتواهما
تماماً. تركا الحمار يُشبع رغباته، ولم يفطنا لوصول " عبد العليم" ابن
"الشيخ سليمان" إلا بعد إسدال الستار على ذلك المشهد الذي أنساهما حرارة
الشمس.
***
كانوا يجلسون في الظهيرة في ظل شجرة الكافور
الضخمة، لتناول الطعام. يجلس الشيخ سليمان بالقرب من النار. عروق يده نافرة، وعظام
وجهه بارزة. كان يُسَخِّن الطعام، بينما يقوم عبدون بوضع الماء في السخان الأسود
ليغلى. أما العم حمودة فقد كان منهمكاً في تنظيف النارجيلة وغسلها. يجلس
العم" حسين" هادئاً كعادته. مستندا إلى جذع الشجرة الضخم، واضعا يديه
على ركبتيه، وابنه سعد إلى جانبه. لم يعتد أحد منهم أن يغير مكانه الذي تعود
الجلوس فيه. الآن كل شيء معد، فقد رُصَّت الأطباق على "الحصير" اليدوي،
الذي يشغل أرضية المكان. بينما جلس الآباء والأبناء يتناولون الطعام.
طعام الخلاء له مذاق خاص، حتى إن كان بقطعة من
الخبز وبصلة. هناك حيث يتوحد الإنسان والطبيعة، تُلفظ كل الهموم طعاماً للهوام. كل
الأشياء تغرد في هذا البراح. تستطيع أن تنصت إلى الأشجار، وتحس بالجبال التي تحوم
حول الحقول لتحرسها. هناك، تمتلك قدرة عجيبة على التنفس بعمق. لا تشعر أبداً
بالتعالي على الأشياء، بل تمتزج بها في سلسلة واحدة لا تنقطع، ويجرى حديثهم هادئاً
بسيطاً. مثل هدوء الأشياء حولهم وبساطتها.
الرجال
الذين هدهم التعب، ولفحت وجوههم الشمس، قانعون بهذه الساعة التي يستريحون فيها لتناول
الطعام. إنهم يحسدون أنفسهم على هذه النعمة.
يدخل الواحد منهم إلى كوخ ذكرياته من خلال
ثقب صغير، وما إن يبصر ما فيه حتى تندفع الذكريات، في حديث ممتع لا يخلو من طرافة،
غير عابئين بأولادهم الذين جلسوا يتابعون الآباء مشدوهين. ذات يوم سيكون لهم
حكايات أيضاً. هؤلاء الطيبون الذين عركتهم الحياة في شوارع القاهرة وحواريها، أيام
شبابهم الوارف. لم يكن لهم سيرة إلاها. كانت أيام صعبة، إلا أنهم يرونها الآن
فائقة العذوبة. فليس كل ماض جميل، ولكن تحررنا منه يجعلنا نسيطر عليه، ونصبغه
باللون الذي نحب.
***
جاءته صابرين لطحن
القمح، كما أخبرته جدتها، عندما قابلته وهي تحمل حطب الوقود، ذات صباح بارد. جاءت تحمل
فوق رأسها " بدَّارة "(1) القمح.. لقد ذاقت الأمرَّين حتى تعلمت كيف
ــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
مقطاف يصنع من الخوص، الذي يؤخذ من جريد قلب النخلة الأبيض، وكان مخصصاً للدقيق.
تحمل
الأشياء فوق رأسها. لم تكن جدتها في حاجة إلى الدقيق قبل أن تعود ووالدها من
القاهرة، ولِمَ تحتاجه بينما نساء القرية يرسلن إليها " الحامي"(1)
بالتتابع؟ دأب رجال القرية أيضاً على
إهدائها
بعضاً مما تجود به أراضيهم من خيرات. ولما عاد حَمَّاد من القاهرة كان عليه أن
يعمل... كانت جدتها قد غربلت القمح وجهزته للطحن، وحين أمرتها بالذهاب دخلت
حجرتها، انتقت ملابس نظيفة ثم طوتها تحت إبطها قاصدة الحمام، وهناك اغتسلت جيداً،
وحكت كعبيها حتى كاد الدم أن يتفجر منهما.. وقفت أمام المرآة، شدت خديها، وفركتهما
عدة مرات ثم تكحلت وسرحت شعرها وخرجت. عندما رأتها العجوز صاحت:" من يراكِ
هكذا يحسب أن موعد زفافك اليوم. لقد أخبرتك مئة مرة يا بكماء أن تلك الملابس
الضيقة لا تصلح هنا. احتشمي كي تمر الأيام على خير". مرت الفتاة من أمامها،
ناحية حجرة الخبيز وكأنها لم تسمع، فتبعتها العجوز كي تعينها على رفع
"البدَّارة" وهي تدمدم.
ما إن
دخلت الزقاق المؤدي للطاحونة حتى غمرتها ظلال السقيفة التي تغطي مساحة كبيرة منه،
وصافحت جسدها برودة المكان، فأبطأت من خطوتها، بينما كانت تملأ رئتيها من هواء
الزقاق المعتق. الزقاق في التواءاته الحادة وضيقه وظلمته يبعث في النفس رهبة حتى
في وضح النهار. أما في الليل فلا يجرؤ الأشخاص العاديون على المرور بمفردهم،
باستثناء قلة قليلة يعرفهم الجميع. يخلو الزقاق من البيوت العامرة لأنه يمتد غرباً
كي يفضي في نهايته إلى الطاحونة ثم إلى المقابر في الفضاء الواسع غرب القرية، أما
جدرانه ما هي إلا الأسوار الخارجية
للحظائر...
ضرب عبدون، والد حلمي وأصدقائه رهاناً ذات يوم على من يستطيع عبور ذلك
الزقاق
ليلاً . تواطأ " سليمان " و " حسين " و " حمودة "
على أن يكون عبدون هو الضحية. كانوا يجلسون على المصطبة بجوار شجرة التوت الملاصقة
لبيت صديقهم " حمودة ابن بركات" الذي كان قد بيت النية من قبل، فربط
حبلاً في شجرة " السنط " العتيقة القريبة من المقابر. جاء عبدون ليلتها
متأخراً يرج الزقاق بقدميه الكبيرتين، فقال حمودة:
-
أخيراً جئت أيها البطل.
-
عذراً للتأخير يا شباب. قال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لفظ يطلقه أهل الواحة على رغيف الخبز الذي
اعتادت أن تهديه المرأة لجارتها وهو ساخن، بعد أن تفرغ من الخبيز مباشرة.
-
لا تعتذر، لأنه لا مناص من توقيع العقوبة
عليك. قال حمودة.
-
لا تستطيع أنت ولا مئة من أمثالك أن
يلمسوا شعرة من رأسي، كما تعلم.
-
اشهدوا يا شباب، لقد أخطأ في حقي. قال
حمودة.
-
نعم أخطأ. قال سليمان باسماً.
-
أخطأ بالتأكيد. قال حسين متضامناً.
- إذن،
عليك الآن يا سليمان أن تصدر حكماً عليه. وأشار إلى عبدون ثم تابع: " أنت ابن
شيخ قريتنا وسيؤول أمر الحكم إليك ذات يوم. قال حمودة.
-
احكم يا شيخ. قال حسين.
-
هل ترضى بحكمي يا عبدون؟ قال سليمان.
-
لا تهمني أحكامكم... هيا. قال، وهو يفرد
ذراعيه على أقصى اتساع لهما.
-
حسناً، عليك الآن أن تخترق زقاق الطاحونة
حتى نهايته، و....
-
اعتبرني قد اخترقته بالفعل، وماذا في ذلك
من خطورة؟
-
دعني أكمل. امش حتى تصل إلى شجرة السنط،
في الفضاء المجاور للمقابر، ثم عُد إلينا هنا.
ابتسم
عبدون وهو ينقل بصره بين أصدقائه قائلا:
-
ما هي جائزتي إن فعلت ذلك الآن؟
-
سنذهب جميعاً لنشرب القهوة في بيت الشيخ.
قال حمودة.
-
لي شرط واحد، إن قبلتموه سأذهب الآن.
-
هات ما عندك. قال حسين.
-
حمودة لا يذهب معنا لشرب القهوة.
- لن
أذهب، لكن اعلم أن هناك حبلاً مربوطاً في الفرع المائل للشجرة، عليك أن تفكه
وتحضره لي هنا يا بطل. ذلك هو الدليل على أنك وصلت إلى هناك. قال حمودة مغتاظاً.
- آه
منك أيها الخبيث. قال عبدون ثم استدار في الحال ناحية الزقاق وهو يلوح لأصدقائه...
عاد عبدون بعد فترة وهو يلف الحبل حول خاصرته، وفي يده اليمنى غصن صغير كان قد
كسره من الشجرة.
لم
يكن يُسمع في ذلك الوقت إلا صوت السكون، ودوي بعض الزنابير التي اتخذت من سقف
الزقاق أعشاشاً لها... كلما مرت في اتجاه الطاحونة رفرفت روحها كحمامة، وغاصت في
بحر أحلامها. تسحبها الأحلام في لطف نحو القاع، فتراه وقد خطبها لنفسه، ثم تزوجها.
كانت كلما توغلت في الزقاق ترى ما سيكون من حلمي ومنها، حتى ينتفخ بطنها وتفاجئها
آلام المخاض.
كان
حلمي يجلس في انتظارها أمام باب الطاحونة عندما ظهرت في انعطافة الزقاق الأخيرة،
وهي تمشي على مهل، غارقة في أحلام يقظتها. تأملها ملياً وهمس في نفسه: " إيه،
يا غزالتي الشاردة". كانت تحمل البدارة فوق رأسها. ذراعاها المرفوعتان يمسكان
بأطرافها العليا، مما صَيَّرَ جسدها كوتر مشدود، وثوبها الضيق يبرز كنوزها، ويئن
من روعة ما يحتويه. سعل حلمي متعمداً فشهقت حتى كادت تُسْقِط ما تحمله.
كان جسده كله يهتز وهو يقهقه ساخراً من فزعها.
نظرت إليه غاضبة، فخبط على صدره برقة عدة مرات وهو يقول: " سامحيني، لم أكن
أقصد ". كان واقفاً يسد الباب وعندما اقتربت أفسح لها المجال، مشيراً لها إلى
الداخل وهو ينحني قليلاً. نظرت إليه وهي تفتعل الغضب ثم قالت في دلال: " إليك
عني أيها الجلف " فأجابها ضاحكاً: " أمرك سيدتي"... وقف قبالتها
يتلقى عنها حمولتها. وضع يديه في قعر البدارة، اقترب قليلاً كي يرفعها عن رأسها
المتعب، فغشت أنفه رائحة جسدها الزكية، أخذ نفساً عميقاً وهو يتلفت قائلاً: "
يا لها من رائحة، ترى، من أين يعبق مِسْكَها؟". ابتسمت الفتاة وهي تدرك ما
يرمي إليه فقالت متعجلة: " ارفعها عن يا حلمي، فقد تعبت". نظر في عمق
عينيها هامساً: " ماذا تعطينني إن أنا رفعتها عنكِ؟"
-
أعطيك صفعة على وجهك. قالت.
-
ما أحلاها من صفعة.
-
العجلة من الشيطان، انتظر حتى نتزوج.
-
وماذا سآخذ عندما نتزوج؟
-
احمل عني أولا وأنا أخبرك. ونَفَّذَ في
الحال.
-
قولي الآن. ماذا ستعطينني عندما نتزوج؟
-
كل ما تريد. لكن قبل الزواج لا تحلم
بشيء.
-
إذن اعطني أي شيء الآن لتوثيق العهود.
-
حلمي... انتهينا. قالت غاضبة.
-
حسناَ، حسناً. لا تغضبي يا غزالتي
البرية، لكن دعيني أنظر في عينيك الرائعتين قليلاً.
-
بسرعة.. نظرة واحدة.
تحركت
للداخل ثم وقفت ساكنة تحت النخلة المعوجة التي بُنيت الطاحونة حولها. اقترب منها، نظر
في عينيها طويلاً، وعندما لم يتحرك وضعت يديها على عينيها قائلة:" هذا يكفي
". فانتهز الفرصة وضمها إلى صدره. حاولت التملص وهي تدفعه في صدره، لكن
ذراعيه كانتا قويتين بما يكفي. حاولت حتى أجهدتها المحاولة، فوقفت مستسلمة وهي تلهث.
نظرت في عينيه وهي تبتسم:" اتركني أيها الثور". تركها وهو يضحك قائلاً:"
أمرك يا بقرتي الجميلة ".
جلست في ظل النخلة المعوجة، أما هو فقد اتجه
ناحية حجر الطاحونة المستدير في نشاط وبهجة. رفع البدارة بين يديه. أفرغ بعضاً من
القمح في ثُقب الحجر الواسع، وضرب الثور ضربة خفيفة على مؤخرته. دار الثور ودار الحجر
الأسود الكبير فأحدث ضجة أزعجت الطيور الساكنة ففرت من أعشاشها. دار حلمي خلف
الثور يستحثه على المضي، وكأن الدنيا كلها قد قامت من ثباتها، فتسرب النشاط إلى
الكائنات التي كانت قد آوت إلى سكون القيلولة، وكان قد ربط أطراف جلبابه حول
خاصرته فبانت ساقيه القويتين. كان يدور خلف الثور ويغني:
"
يا ني يا ني
امته
تطيب يا ني
يا
بو علي قلبي عليلي
عيني
على صبية شَعرها لِيلِي
وقال
خُدني على حِمْلَك ولا يميلي
وقال
خدني لها ليلي.. يا ليل(*)
صوته كان رائقاً وندياً. يغني فيتردد صدى صوته
بين جذوع النخيل وأغصان الأشجار، بينما هي جالسة في ظل النخلة المعوجة، تسترق
النظر إليه بين الحين والآخر، فيخفق فؤاده طرباً.
كان
يغني منتشياً، بينما تواطأت معه الطيور فغردت على الأغصان، وهبت نسمة هواء طرية
فحركت جريد النخيل وأفرع الأشجار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)
مقطع من أغنية شعبية من الواحات
-
12 –
انتفض
حلمي فجأة عندما دار مُحَرك الأتوبيس في الخارج، ورن في الآذان صوت آلة التنبيه
واضحاً جلياً. تحرك المسافرون بأمتعتهم للخارج. كان السائق يقف إلى جوار الخزائن
المفتوحة، وفي يده صندوق خشبي صغير، مستطيل الشكل، يحوي أنواع مختلفة من التذاكر.
تحلق حوله المسافرون بأمتعتهم. كانت مجموعة من الفتيات يقفن شبه منعزلات، على مقربة
من الحافلة، وجميلة وسطهن مثل زهرة الجبل النادرة. كانت هي الملكة بطبيعة الحال،
في تنورتها واسعة الأطراف، وحجابها القصير وردي اللون، مثل لون الحذاء طويل الرقبة
الذي تنتعله. كان أربعة من الشباب يقفون على بُعْد خطوات منهن، وحقائبهم القصيرة
معلقة في أكتافهم. اثنان منهم يدخنان في استعلاء، بينما تتجه أنظارهما ناحية
الفتيات.
وقع المسافرون في مشادة كلامية مع السائق
الذي اعتاد على ذلك الجدال. فلم تعجبهم الأسعار التي وضعها في مقابل وضع"
المشالات" في خزائن الحافلة:
"
تكلفة هذه الحقيبة خمسة جنيهات... تلك عشرة جنيهات... لا يا أسطى، إنها لا تستحق
ذلك المبلغ. والأسطى أصم، لا يسمع... تكلفة حمل تلك الكرتونة خمسة عشر جنيها...
لا، لا. إنها خفيفة. والأسطى يجيب هذه المرة على مضض: إنها تستحق أكثر من ذلك،
ولكني أكرمتك، هيا ارفعها بنفسك. والراكب يجيب: يا أسطى باشا، أنا لست محتاجاً أن
أرفعها، فأنا حملتها لمسافة تكفي كي أعرف إذا كانت ثقيلة أم خفيفة. يسأله الأسطى:
ماذا وجدت إذن؟ والراكب يجيب: إنها خفيفة، بل إنها أخف من ريشة طائر. أكرمنا
قليلا، يكرمك الله".
يستمر الجدال قليلا بين السائق والمسافرين، ثم
يهدأ الجميع بعد أن يتم تخزين الأمتعة.
ما
زال الشباب في أماكنهم ينتظرون تحرك الأتوبيس. يتبادلون كلمات مقتضبة، وإيماءات
مهذبة، وابتسامات قصيرة متكلفة، ويرسلون نظراتهم المراهقة إلى الفتيات اللائي
تعارفن سريعاً وانسجمن، وتبادلن الضحكات. إنهن الأقدر على التواصل الاجتماعي
والالتحام الحميم، وربما تبادلن الأسرار، منذ وقفتهن الأولى تلك. كانت جميلة قد
انضمت إليهن، بعد أن سئمت من حديث الشابين مع والدها عن الثورة وأوضاع البلد. إنها
تؤمن بكلام والدها الذي يرى أن الأمور في مصر أصبحت تباهياً والسلام. الكل
يتحدثون، دون أن يحاولوا الإنصات ولو لمرة واحدة. انقلبت الثورة إلى حرب كلامية
يسد دخانها الأفق. لقد عاينت بنفسها ما يفعله الشباب، يذهب الواحد منهم إلى ميدان
التحرير، يلتقط لنفسه صورا، وهو يرفع لافتة ما. ثم يعود إلى بيته بطلا. يجلس أمام
الكمبيوتر، ليفرغ كل ما التقط من صور، في أحشاء المنتديات، ومواقع التواصل الاجتماعي...
من يضاهيه الآن؟ لقد حمى الثورة، ودافع عن دماء الشهداء!!
***
وقفن إلى جوار بوابة المغادرة رقم " 16
". ينظرن إلى بعضهن بطريقة ودودة، ويتعارفن.. لم تكن جميلة قد انضمت إلى ثلاثتهن
بعد، عندما بدأت الفتاة الطويلة السمراء تُعَرِّفُ نفسها. إنها " هناء"،
نزح جدها من الصعيد، مهاجراً إلى الإسكندرية للعمل. أما هي فلم تر الصعيد من قبل،
لأنها وُلدت في الإسكندرية، ووالدها أيضا وُلد هناك، ولم يزر الصعيد مطلقاً.. أما "فاطمة"،
تلك الفتاة القصيرة الممتلئة، كانت في زيارة قصيرة لأقاربها في " الزاوية
الحمراء". القاهرة تعجبها كثيرا، وقد كانت تأمل أن تجد بين أقاربها عريساً
يضمن لها حياة قاهرية دائمة. أما "مليحة" و " حنين " فهما ابنتا الواحة، من
قرية واحدة.. والداهما أصدقاء أيضا، في البيت والحقل، وقد كانتا هنا لتقديم أوراقهما
في المدينة الجامعية.
انضمت
جميلة إليهن، فتبادلن الأسماء مرة أخرى. كانت هناء بطولها الفارع تقف بينهن كزرافة
بين صغارها. تلقى على كتفيها شالاً واسعا يحتل نصف الجسد العلوي. لم يكن الشال متناسبا
على الإطلاق مع ما تلبسه، وتساءلت جميلة في نفسها عن فائدة شال كهذا في ذلك الجو
الصيفي الخانق!!. تثرثر هناء بصوت رفيع حاد، إذا سَمِعْتَه دون أن تراها ستجزم
أنها طفلة لم تتعد العاشرة من العمر. الواضح من وقفتها أنها أصبحت قائدة الفريق،
كلهن يرفعن رؤوسهن نحوها بينما تتحدث. تضاريس جسدها المكتملة تدل على أنها جاوزت
العشرين. تحكي وتشير بيديها في حركات تمثيلية، بينما يتمايل جذعها كساق نبات غض
استسلم للريح. الغالب في الأمر أنها ملأت رؤوسهن بأكاذيب أنثوية مبالغ فيها. ربما
لتصرف أنظارهن عن شيء آخر. فبرغم قوامها الممشوق، إلا أنها فقيرة الجمال. لم يكن
في وجهها شيء جذاب سوى عينيها. ذلك النوع من
العيون الذي يشعرك من أول وهلة أن صاحبته لبؤة شرسة، متحفزة على الدوام. قد لا
تكون صاحبتهما كذلك، لكن إطلالتهما الأولى لا توحي إلا بذلك الشعور.
تقهقرت جميلة ما يقرب من ثلاث خطوات للخلف،
ثم انضمت إليها مليحة، ووقفتا شبه منعزلتين. الظاهر أن كلام هناء لم يعجبهما. لم
تكف هناء عن الثرثرة، والفتاتان الواقفتان معها تضحكان وتتمايلان للخلف، وكانت
كلما ضحكتا يأخذها الحماس، فتثرثر محركة كل جزء من جسدها كعامل يؤدي عملاً شاقاً.
ترتدي تنورة فضفاضة خفيفة، ساقاها الطويلتان كساقي نعامة لا يكفان عن الحركة،
والضوء المبهر المنعكس من ورائها يؤدي دوره على أكمل وجه، فيكشف عن قميص قصير أسفل
تنورتها الفضفاضة. بالكاد يغطي فخذيها ولا يصل إلى الركبتين!
كان والدها
منشغلاً مع المنشغلين بتحميل الأمتعة، إلا أنه كان يلتفت بين الحين والآخر ناحية
ابنته، ولاحظ أنها كانت تقف بينهن ثم انعزلت مع رفيقة لها. كان الشابان ذوي اللحى
النابتة حديثا يجلسان أمام الأتوبيس بعدة خطوات، وقد اتخذا من حقيبتيهما مقعدين
لهما، وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث في صوت خفيض.
الإذاعة الداخلية بالميناء لا تكف عن بث
تنبيهاتها عبر مكبرات الصوت المنتشرة في كل مكان، معلنة مواعيد مغادرة الحافلات
للمحطة: " نوجه عناية السادة الركاب أن الأتوبيس رقم كذا، المتجه إلى مدينة
كذا، سيتحرك في تمام الساعة كذا، وموجود بالمحطة، أمام بوابة المغادرة رقم
كذا"... فتح السائق بابي الأتوبيس، الأمامي والخلفي، في الساعة الثامنة
والربع تقريباً، وابتدأ الركاب في الصعود الواحد تلو الآخر، حاملين معهم حقائبهم
الصغيرة وأكياس الطعام. أشار حلمي لابنته، بينما كانت يده الأخرى تقبض على منديل ورقي،
يجفف به ما تساقط على جبهته من عرق. استجابت جميلة على الفور، مارة من أمام الشباب،
ولم تسلم- بعد ما تجاوزتهم- من بضع كلمات مغازلة ألقاها أحدهم في طريقها. كان
يمتدح مؤخرتها التي - كما كان يقول- تأخذ استدارة تفاحة من "الأمريكاني
الأصلي". أعجبها ذلك التشبيه الذي سمعته للمرة الأولى، وإن لم يبد عليها أنها
اهتمت للأمر، أو سمعت المغازلة من الأصل. لكنها واثقة أن شكل مؤخرتها يروق الشباب
ويستثيرهم. كما يستثير حنق بعض زميلاتها. والحقيقة أنها احتارت، ماذا يجب عليها أن
تفعل إزاء تلك المعضلة؟ هي لا تفتعل مشية معينة مثلا، لكنها خُلِقَتْ هكذا، بمؤخرة
مستديرة ممتلئة. زميلاتها في المدرسة كن يغظنها أحياناً، ويعلقن على مشيتها
قائلين: " الإوزة جاءت. الإوزة ذهبت". فتسير أمامهن متراقصة بطريقة
لافتة متعمدة... هي تعرف أنها تمتلك قدراً كافياً من الجمال. ويسعدها أن تسمع
عبارات الإطراء في بعض الأحيان، وعبارات الغزل أحياناً أخرى، لكنها في النهاية
لا تحب أن يلمس أنفها أحد(...).
-
13 –
كان الرُكَّاب ما بين مُقبل ومُدبر، في
الطرقة الضيقة التي تفصل بين صفيّ المقاعد. يحاولون حشر حقائبهم الصغيرة، وأكياس
الطعام عنوة في الرفَّين الممتدين بطول الأتوبيس. الرَّفَّان مثبتان فوق رؤوس
المقاعد بمسافة مناسبة على الجانبين. كان بعض الركاب قد اطمأنوا في مقاعدهم، عندما
صعد أحدهم.. توقف أمام المقعد رقم " 7 " ينظر إليه، ثم ينظر للرجل
الجالس عليه.. وبعد لحظة تنهد قائلاً:
- عذراً،
هذا مقعدي.
نظر إليه الرجل مستنكراً، وهو
يعبث في جيب قميصه، بحثاً عن تذكرته:
- لا،
هذا مقعدي.. سأريك التذكرة الآن، عليها رقم هذا المقعد بالتأكيد.
أخرج
الرجل التذكرة من جيب قميصه العلوي.. نظر فيها أولا، وعندما تأكد من الرقم
قرَّبَها من عيني الرجل حتى كادت أن تلمس أهدابه، ثم صاح فيه قائلاً:
- انظر
يا رجل.. انظر جيداً.
تأملها
الرجل.. تأكد من رقمها، ثم مد تذكرته تجاه الجالس في المقعد وهو يصيح:
- انظر
يا رجل.. انظر جيداً.
- هذا
لا يعقل!! نفس التذكرتين لمقعد واحد؟ يا أسطى.. دقيقة لو سمحت. صاح الرجل الجالس
وهو يضرب كفاً بكف.
جاء السائق على مضض وهو يزفر.. أخبراه
بالمشكلة.. سحب التذكرتين من يديهما.. تأملهما ملياً، ثم مال برأسه ناحية الرجل
الجالس قائلاً:
"
كلاكما قد حجز نفس المقعد.. لكن موعد حافلتك في تمام التاسعة والنصف.. أمامك ساعة
كاملة حتى تتحرك حافلتك، انزل الآن".
تأمل الرجل الجالس تذكرته ثانية، ثم قام وهو
يمط رأسه لأعلى، ناظراً في الرف فوق المقعد.. سحب حقيبة صغيرة.. انتزع ابتسامة
قصيرة وألقاها في وجهيّ الراكب والسائق، ثم استأذن وانصرف هابطاً.
صعدت هناء في النهاية، وعلى محياها ابتسامة
غامضة، وصعد الشبان الأربعة في أثرها. بحثت عن المقعد رقم " 20 "،
المسجل في تذكرة السفر لديها. ولما لم تهتد إليه استدارت لتسأل واحد من الشباب،
الذين ينتظرون أن تفسح لهم المجال للدخول. قرَّبت إليه التذكرة قليلاً، فاقترب
منها حتى كاد أن يلتصق بها من الخلف، ثم مط رقبته للأمام قائلاً: " ها هو
المقعد رقم "20"، تفضلي هنا". وتبرع آخر كان يقف خلفه بالتوضيح:
" أرقام المقاعد المسجلة في تذاكر السفر، مسجلة أيضا هنا، في الخلفية".
وأشار إلى ظهر المقعد الذي كان يقف بجواره، فابتسمت له هامسة: " شكرا لك
"، ثم جلست. كان المقعد على يسار الحافلة، بجوار النافذة.
ثلاثة من الشباب الذين كانوا يتبعونها دخلوا
إلى العمق بالتتابع، وكلما مر أحدهم بجوارها اختلس نظرة إليها، فكانت ترمقه من طرف
خفي. نظر الشاب الأخير في تذكرته، ثم جلس إلى جوارها. لم يكن يعلم أنها ستجاوره
ليلة كاملة، لكن شاءت الظروف أن يكون هذا مقعده المسجل في تذكرة سفره. كان حلمي
وابنته يجلسان على يمينهما تماماً، في نفس الصف، لا يفصل بينهما سوى طُرقة صغيرة
لا يتعدى اتساعها نصف المتر.
كانت
الساعة قد بلغت الثامنة والنصف تماماً، وكان الجميع قد اتخذوا أماكنهم. أزاحوا
الستائر البرتقالية اللون جانباً، واستعدوا للانطلاق. رفع السائق رأسه في المرآة
الكبيرة أمامه، ثم سأل بصوت زاعق إذا ما كان الجميع في أماكنهم؟ أجاب الشباب من
الخلف في أصوات مختلفة أن الأمور كلها على ما يرام. ثم طلبوا منه إما أن ينطلق أو
يشغِّل المبرِّد رأفة بهم. لكن السائق لم يحرك ساكناً، كأنه لم يسمع.. يداه على
المقود، والمحرك يدوي على وتيرة واحدة.
جاءت
فاطمة من الخلف تتوكأ على رؤوس المقاعد، حتى وقفت بين حلمي والشاب الذي يجلس إلى جوار
هناء. مالت ناحيته قليلا وهي تبتسم: " هل من الممكن أن نتبادل المقاعد؟"
نظر إليها الشاب ولم يجب، فازدادت ابتسامتها توهجاً: " اسمح لي أن أجلس إلى
جوار هناء هنا، وتتفضل أنت بالجلوس في مقعدي، إلى جوار ذلك الشاب هناك". لكن الشاب اعتذر قائلا: " أنا لا أحب
الجلوس في المؤخرة، فصوت المُحَرِك يزعجني، كما أنني أريد أن أنام". انطفأت
ابتسامة الفتاة، ونظرت إليه في حنق، ثم عادت خالية الوفاض، وهي تتمتم بكلمات غير
واضحة. هنا علا صوت أحد الشباب من الخلف: " يا جامد يا إبراهيم ".
معلناً بذلك تأييده لإبراهيم الذي لم يرضخ لابتسامة فاطمة، وظل ثابتاً على موقفه.
رفع إبراهيم يده راداً تحيته وهو يقول بالإنجليزية
"" You're welcome ثم تابع:
" إحنا أي خدمات يا عُبَد ".
***
غادر السائق مقعده، ونزل لأمر ما. ثم صعد شاب
نحيف بعد عدة دقائق. لم يبحث عن مقعد، ولم تكن معه تذكرة في يده، أو حقيبة تدل على
أنه مسافر. وقف في منتصف الطرقة يتأمل وجوه الركاب.. لا تمت ملامحه لأهل الواحة بصِلَة،
فملامح أهل الواحات مميزة، على الأقل لدى أصحابها. يتعارفون بها في الغُربة. كان
يرتدي فانلة صيفية، حمراء خفيفة، عليها عبارات لا تحصى باللغة الإنجليزية، وبنطال
جينز قديم عليه علامات يوم عمل شاق. ظل الشاب يتأمل الوجوه وكأنه يريد أن يتحقق من
كل شخص على حدة، مما أثار ارتياب البعض فيه.
عاد السائق وزجاجة مياه في يده، واتخذ مكانه
خلف عجلة القيادة. صعدت خلفه مباشرة امرأة في عقدها الأربعين تقريبا. ترتدي
جلباباً أسود وطرحة سوداء. كانت تحمل في يديها رزمة من كتيبات صغيرة الحجم،
ومجموعة أوراق مربعة الشكل. ظهرت عند مقعد السائق، وهي تحمل تلك الأشياء. وجهها
الذي يبعث على الشفقة ينبئ أنها قد فقدت عزيزاً لديها منذ سويعات. تأمل الركاب
وجهها الحزين، وتأثرت بعض الفتيات لما يرتسم على وجهها من أمارات الفجيعة. أما هي
فقد باشرت العمل دون تردد، دون أن تنطق حرفاً واحداً. ابتدأت في توزيع الكتيبات
الصغيرة على الركاب. كانت تلقيها في سرعة بين يديهم فيتلقفونها، أو تنفلت من
أيديهم لتسقط على أفخاذهم. كتيب لكل راكب، وورقة سميكة مربعة الشكل مكتوب فيها: أم
لثلاثة أطفال، بكماء، أرملة، وتحتاج إلى المساعدة.
كانت المرأة تعمل بطريقة آلية وسريعة تدل على
أنها تمارس ذلك العمل منذ زمن. عندما وصلت إلى آخر ركب كانت الكتيبات قد نفدت،
والأوراق التي تصاحبها كذلك. نظرت جميلة في الكتاب أولاً. كان بعنوان " أسرار
السعادة الزوجية". أخذها فضولها للكتاب الذي يقبع على فخذي أبيها، دون أن
يلمسه أو حتى ينظر إليه. فقرأت " عذاب القبر ونعيمه". لم يبق إلا الورقة
السميكة، التي تطلعت إليها في النهاية، وقرأت تلك الكلمات التي كُتِبَت بقلم أزرق
عريض. الخط واضح، ومكتوب بعناية. الكلمات الثلاثة الأولى مكتوبة بقلم أزرق، أما
الكلمات الأخيرة فقد كتبت بقلم أحمر، وبخط أكثر سُمْكاً: " وتحتاج إلى
المساعدة".
تلك
الورقة صُنِعَت لتعيش، ورقة سميكة مقصوصة بطريقة منتظمة. لاحظت جميلة أن والدها لم
ينظر إلى الكتاب، ولم يأخذه الفضول ليقرأ تلك الكلمات، فحاولت أن تجره للكلام
قائلة: " مسكينة تلك السيدة. لابد أنها تحتاج إلى المساعدة". ورد والدها
سريعاً: " ذلك عملها، تؤديه بهذا الشكل منذ أن كانت شابة".
- هل تعرفها يا أبي؟
- بالطبع أعرفها. أنا أسافر إلى الواحة كل
عامين تقريبا، وأراها في كل مرة أسافر فيها.
- تقصد أنها تمتهن الشحاذة؟
- نعم، تمتهنها، هي ومَن يسخرونها لذلك العمل.
كانت توزع حلوى، ومناديل ورقية على الركاب منذ سنوات، بالإضافة إلى تلك الورقة
السميكة أيضاً. أما الآن، فمع ازدياد المد الديني، أضحت توزع كتيبات لها عناوين
محددة مثل: عذاب القبر، وصف الجنة والنار، المعاملات الزوجية، الحجاب فريضة، ومئات
العناوين غيرها... منذ عشرة سنوات أو يزيد وهي أم لثلاثة أطفال. لابد أنهم أصبحوا
الآن رجالا. هذا على اعتبار أن المكتوب في الورقة صحيح. ألم تلاحظي أن عدد
الكتيبات والأوراق هي نفس عدد المقاعد الموجودة في الحافلة؟
- علام يدل ذلك يا أبي؟
- يدل على أن ما ترينه الآن لا يخرج عن كونه
عملاً تؤديه.
- يبدو ذلك حقاً.
- لو أردنا حساب ما توزعه من كتب يومياً
لأدركنا كم الثروة التي من المفترض أن تمتلكها الآن، انتبهي: تقوم أربعة حافلات في
مواعيد مسائية إلى الواحة فقط. وإذا وضعنا في الاعتبار أنها تعرف كل مواعيد
الحافلات المتجهة إلى محافظات مصر المختلفة، لأصبح لدينا عدداً ضخماً من الحافلات،
وعدداً أضخم بكثير من الكتيبات. لذا يمكننا بعملية حسابية بسيطة أن نجزم أن تلك
الكتيبات مجهولة المؤلفين، والتي تطبع في مطابع " بئر السلم " بطرق غير
قانونية، هي أكثر الكتب مبيعاً في مصر.
- لقد شتت أفكاري فعلاً يا أبي. بهذه الطريقة
يصبح الركاب هم الذين يحتاجون إلى مَنْ يمد لهم يد العون.
- أغلب الظن أنها تعمل ضمن فريق متكامل، وشبكة
منظمة.
- إذا كان الأمر كذلك فإن الورقة التي توزعها
مع الكتاب ما هي إلا حيلة.
- بالطبع، هي حيلة من حيلهم التي لا تنتهي،
وكذلك هذا الحزن الطاغي الذي ترينه يغمر وجهها.
أطرقت
جميلة وهي تعيد التفكير في كلام والدها وتساءلت: كم يد أمسكت بتلك الورقة حتى
الآن؟ كم يد دخلت في جيب صاحبها لتخرج بما جادت به نفسه من مال متأثراً بالمكتوب
فيها، أو متأثراً بوجهها الحزين؟ كم من المال جمعت طوال تلك السنوات؟ نظرت ناحية
والدها الذي كان ينقر بأصابعه الطويلة على فخذه وهي تؤكد لنفسها أنه رجل عظيم.
وقفت السيدة البكماء في صدر الحافلة، وهي
تهمهم بأصوات غير مفهومة، هي للأنين أقرب، وعندما أيقنت أن جميع الركاب يتطلعون
إليها، رفعت إصبعيها السبابة والوسطى لتعلن أن ثمن الكتيب الواحد جنيهان. كانت تقف
عند كل مقعد. تسترد ورقتها السميكة، وتنتظر المال في غير صبر. بعضهم أعطاها ما
جادت به نفسه ورد إليها بضاعتها، والبعض اشترى منها الكتاب بثمنه. وقبل أن تستدير
لتودع السائق وتهبط كان حلمي قد سألها بصوت مرتفع: " أما يزالون أطفالاً، بعد
كل تلك السنوات؟". لم تلتفت إليه على اعتبار أنها لم تسمعه. توجهت ناحية
السائق، وأومأت له برأسها تحييه مع ابتسامة خفيفة، سرعان ما انطفأت لتتحول إلى
شعلة من غضب وهي توجه نظرتها النارية نحو حلمي، قبل أن تضع قدمها اليمنى خارج الأتوبيس.
لمحها حلمي وهي تقذفه قبل أن تهبط بنظرة فيها ما فيها، فقال وكأنه يحدث نفسه:
" أقطع ذراعي من هُنا- وأشار إلى كتفه – إن لم تكن هذه السيدة تسمع
وتتكلم".
***
انعطف الأتوبيس يساراً في شارع الصحافة بينما
قفز شاب للداخل، رافعاً يده اليسرى بالتحية للسائق:" مساء الفل يا عم علي".
أومأ عم"علي" في ابتسامة عريضة قائلاً:" مساء الياسمين". كان
الشاب يحمل على ذراعه اليمنى صندوقين، أعلاهما كان بلا غطاء وقد رُصَّت به علب
كرتونية بيضاء، مستطيلة الشكل، تحوي زجاجات عطر صغيرة مصفوفة بشكل طولي... طلب
الشاب - بابتسامة الواثق- من الجميع أن يصلوا على النبي أولاً ثم يعيرونه
انتباههم. سحب زجاجة من الصندوق العلوي. وضع غطاءها بين أسنانه ثم أدارها من
الأسفل بيده اليسرى حتى انفصل الغطاء، لفظه من فيه ليقع في الكرتونة. رفع الزجاجة
لأعلى حتى يراها الجميع قائلاً أنه يبيع زجاجات من العطر الخام، ثمن الزجاجة
الواحدة خمسة جنيهات. مشى في الطرقة وهو يميل على الركاب، يمنحهم نذرا يسيراً منها
قائلاً: " شم يا أستاذ، الله، حاجة معتبرة، عطر أصلي، مش مغشوش زي بتاع الناس
التانيين، بخمسة جنيه بس، حد قال هات؟". ولما لم يجد من يجيبه أو يطلب بضاعته
قال: " طيب، علشان خاطر أهلنا وحبايبنا نقول الواحدة بأربعه جنيه، حد شاري؟
". لكن أحدا لم يرد فقال : " طيب صلوا على النبي علشان نروح، ولا خمسة
ولا أربعة ، آخر كلام قبل ما ننزل، الواحدة بتلاتة جنيه". وهنا ناداه أحدهم
واشترى زجاجة، فتشجع آخر واشترى واحدة. وفي كل مرة كان البائع يزعق بصوته المرتفع
: " وهنا واحدة كمان، بالصلا ع النبي ".
تخطت الحافلة شارع الصحافة، واستطاع السائق ببراعة
أن ينعطف يميناً – رغم الزحام الرهيب للسيارات القادمة من ميدان رمسيس – ليدخل
شارع " 26 يوليو بولاق " متجهاً ناحية بداية كوبري " 15 مايو"
من ناحية مسجد السلطان " أبو العِلا".. ذلك المسجد الأكثر شهرة في بولاق.
لأنه بسبب شهرة "أبو العلا" أصبح الناس يفرقون بين بولاق هذه، و"بولاق
التكرور" في الجيزة. بل إن العامة أطلقوا على الكوبري الشهير، الذي أقامه
الخديوي عباس حلمي الثاني، وحمل اسمه رسمياً. اسم كوبري "أبو العلا".
لقد أصبح "أبو العلا" أشهر ما في هذا الحي العتيق. لا يفصل هذا
المسجد عن شاطئ النيل إلا كورنيش ماسبيرو. يعود مسجد السلطان أبي العلاء بنسبه-
كما تذكر الكتب - إلى الشيخ الصالح " حسين أبي علي " المكنّي بأبي
العلاء، الولي المعتمد، صاحب الكرامات والمكاشفات، بحسب ما يصفه الصوفيون، الذي
أطنبوا وبالغوا في كراماته. حتى أطلقوا عليه لقب "السلطان"، وهو ليس
سلطاناً ولا ملكاً ولا حتى أميراً، ولكن بسبب صلاحه وكراماته أصبح عندهم سلطاناً
للمتصوفين.
حتى شارع 26 يوليو لم يسلم من ثورة الملابس
وزحفها المستميت ناحية نهر الطريق مضيقة الخناق على المركبات التي لا تريد إلا أن
تمر في سلام.. أصبح من المستحيل الآن أن تمر أكثر من سيارتين متجاورتين في هذا
الشارع، الذي كان يوماً ما واسعاً. كانت جميلة تتطلع عبر زجاج النافذة إلى الشارع.
إنها النظرة الأخيرة التي ستظل بعدها في الواحة لعام دراسي كامل.. تختزن بين
ضلوعها ذكريات لا نهائية من رائحة الشوارع والأزقة، مئات المواقف المبهجة
والمفزعة، ضجيج المحركات وزحف وجوه البشر الذي لا ينتهي عبر أنهار الشوارع. تجاوز
الأتوبيس " مستشفى الجلاء"، وبدأ يزحف في بطء في اتجاه كوبري 15 مايو.
أمامه كان صف طويل من المركبات التي تبث عادماً كثيفاً، بينما ضجيج أبواقها يصم
الآذان. لمحت عن يمينها شركة جنوب القاهرة للكهرباء والغاز " كوبانية الكهربا"
بمبناها المربع الشكل، ذو النوافذ الكبيرة ،إسلامية الطراز. كانت تذهب
مع والدتها في نهاية كل شهر، لتدفع فاتورة الكهرباء، ثم أصبحت تذهب بمفردها في
الفترة الأخيرة. هالها كم الموظفين في الداخل في أول مرة دخلت فيها ذلك المبني،
والحركة التي لا تنتهي. ولم تدر وقتها لمَ ربطت بين خلية النحل وذلك المبنى؟ كانت
في الصف الأول الثانوي عندما جاءت بمفردها لتدفع الفاتورة. يومها انتابتها فرحة
عارمة عندما استطاعت لأول مرة أن تقف في الصف لتعود بالإيصال الوردي، قابضة عليه
في يدها كأنه غنيمة كبرى. كانت تضاريس جسدها وقتئذ في طريقها للاكتمال. صارت
ملابسها ضيقة خانقة، حتى أن والدتها أهدت معظمها لجارة لهم بالدور الثالث، بعد أن
اشترت لها ملابس جديدة تناسبها. كانت تسير بخطوات مسرعة متمنية أن تغمض عينيها
وتفتحهما فتجد نفسها أمام أمها، لتنبئها أنها تستطيع الآن الاعتماد عليها. اكتشفت
في ذلك اليوم أنها صارت محطاً للإعجاب عندما تتبعها شاب من أمام سينما "
رويال " ولم يتركها إلا في بداية شارع الأحمدين. الحقيقة أنها تفاجأت، ثم
رفرفت كفرخ صغير يتعلم الطيران للمرة الأولى. بينما الفتى يلقي في أذنيها عبارات
غزل تسمعها لأول مرة... لم يترسب في ذاكرتها سوى ذلك الإحساس الغامض الذي دغدغ
مراكز الفرح لديها وهي تسمع شاباً يمتدح جمالها ويصف روعة ملامحها، كما لم تذكر من
عباراته سوى عبارة واحدة، ظل ذلك الشاب يرددها بين ثنايا كلامه: " لو سمعتي
كلامي ح اجيب لك هدية جميلة". لم تكن ساذجة لهذا الحد، لكنها فكرت وقتها في
نوع الهدية التي يمكن أن يهديها إليها.
-
14 –
ظلت جميلة غارقة في تفكيرها مغيبة عما حولها
حتى تحدث الشاب، الذي صعد الحافلة منذ لحظات، كان يوجه حديثه ناحية بائع العطور:"
أعطني علبة عطور كاملة لو سمحت". كان واقفاً ما زال في منتصف العربة. تقدم
نحوه البائع وهو يزعق بصوته المرتفع، ليسمع الجميع فيتشجعون على الشراء: "
وهنا علبة على بعضها للأستاذ، فيها عشرين إزازة بتلاتين جنيه بس بالصلا ع النبي،
يا بلاش". وضع الشاب يده في جيب بنطاله، أخرج نقوداً، ثم أعطاها للبائع الذي
فردها أمام الركاب. قَبَّلَها ثم رفعها لتمس جبهته، وأعادها في النهاية إلى جيبه.
انتبه
البعض إلى أن الشاب صاحب الفانلة الحمراء أخرج النقود من جيبه ولم يَعُدَّها أو
حتى ينظر فيها، لكنه أعطاها للبائع مباشرة، كأنه كان يجهزها لهذا الغرض!! رسم هذا
علامات استفهام كبيرة على الوجوه، لكن لم يتكلم أحد، بل اشترى بعض الركاب علباً
كاملة. كان من بينهم الشابان ذوي اللحى، اللذان يجلسان في المقاعد الأمامية، خلف
السائق مباشرة. ضغط السائق زر الكاسيت فتسرب صوت القارئ الرخيم عبر السماعات المنتشرة
في سقف الأتوبيس، وهنا علق أحد الشابين وهو يميل ناحية السائق قائلاً: " ربنا
يكرمك يا شيخ". الشاب الذي كان يجلس خلف "هناء"، تلك الطويلة
السمراء، اضطر إلى إغلاق الكتاب الذي كان يطالعه. أسند رأسه للخلف، متهيئاً
للإنصات، بينما إصبعه السبابة ما زال بين دفتي الكتاب يفصل بين ما انتهى من قراءته
وما لم يقرأه بعد. لم تكف هناء منذ أن
صعدت إلى الحافلة عن التلفت يمنة ويسرة. ما إن تستقر على المقعد قليلا حتى تشرئب
رقبتها الطويلة ملتفة للخلف، رافعة يدها بالتحية للفتيات في مؤخرة الحافلة... الازدحام الشديد، في مثل هذا الوقت، اضطر السائق أن يسير كما تسير
السلحلفاة. تسير الحافلة بضعة أمتار، ثم تتوقف فجأة، فيهتز الركاب، وتندفع رؤوسهم
للأمام. ظل الوضع على هذا الحال فترة، حتى توقف السائق تماماً في مواجهة "
سينما الكورسال"، التي لا يعرف الناس لها اسماً سوى" سينما على
بابا". فكلمة : "الكورسال" تلك ما هي إلا لافتة قديمة مثبتة فوق
الملصقات الأربعة للعرض الأسبوعي. أربعة أفلام تُعرَض في الأسبوع، ما بين أفلام
حركة وأفلام عاطفية مثيرة، تم إنتاجها في عصر الانفتاح... دخلها حلمي مرة من باب
الفضول، ولم يعد لمثلها أبداً.
كان ذلك في العام الأول له في القاهرة، حين كان يجوب الشوارع مشياً في
المساء. لفتت تلك الملصقات انتباهه، وأغرته الأوضاع المثيرة التي اتخذتها
الممثلات، وقف يقرأ عناوين الأفلام: " رحلة العمر، حمام الملاطيلي، إحنا بتوع
الأتوبيس، وملصق لفيلم حركة يتصدره ممثل هندي".
دخل يتلمس مواضع
قدميه حتى اهتدى إلى مقعد في آخر الصالة. كادت رائحة الدخان في الصالة المغلقة أن
تصيبه بالغثيان، وشيئاً فشيئاً ابتدأ الظلام ينقشع. لاحظ أن كل المشاهدين ذكور،
وما من فتاة واحدة.
كانت تلك هي المرة
الأولى التي يشاهد فيها جسداً أنثوياً فائراً متكشفاً خليعاً. ابتسم عندما تذكر
أصدقاءه في الواحة.. سوف يحكي لهم هذه المشاهد بالتفصيل، بل سيزيد عليها من
ابتكاره كي يصيبهم بالجنون. لم ينتبه للشخص الذي ترك كل المقاعد الفارغة وجاء
ليجلس في المقعد الملاصق له:
-
مساء الخير. قال
ذلك المتطفل.
-
مساء الخير...
ثم بعد فترة صمت:
-
ما رأيك في هذا
الفيلم؟ ، سأل الرجل بينما ارتبك حلمي قليلاً واحتار هل يجيب أم يترك ذلك المقعد
ويبحث له عن مقعد آخر لكنه في النهاية قرر التحدث:
-
لا أدري، لم
أفهم أحداثه بعد، لقد دخلت منذ دقائق معدودة.
-
ما لنا
والأحداث؟ الأهم هو تلك الجميلات بأجسادهن العارية.
- .................
-
أولئك النسوة
سيصيبوننا بالجنون. أليس كذلك؟
-
بلى.
-
ألا تتمنى أن
تكون معك واحدة من هؤلاء في الفراش؟
-
ليس بتلك
الطريقة.
-
الأخ من أي بلد؟
-
من الواحات.
-
أحسن ناس.
-
يبدو أنك لم
تدخل تلك السينما من قبل؟
-
ولا أي سينما
غيرها. ولكن كيف عرفت؟
-
أنا ألتقي كل
تلك الوجوه الكالحة أسبوعياً هنا، كما ترى كلهم من الشباب، وأكثرهم من خارج
القاهرة وقد جاءوا للعمل. كلهم دخلوا هنا لنفس السبب.
-
ما هو ذلك
السبب؟
-
يبدو أنك ما زلت
على فطرتك. السبب هو الشوق إلى الأنثى طبعاً. تُفرج عنهم تلك الأفلام قليلاً.
-
أنا لم آتي لهذا
السبب.
-
كما أن البعض
يأتي لإشباع رغباته. قال الرجل وكأنه لم يسمع ما قاله حلمي.
توجس خيفة من كلمات الرجل وابتدأ ينكمش على
نفسه، وندم على أنه دخل هذا المكان.
كانت ذراع ذلك الشخص طوال الوقت تلمس ذراعه
وتحتك به. لم يفطن حلمي للأمر، لكن بعد كلماته الأخيرة الموحية ظن حلمي أن الرجل يريد
أن يتحرش به، فتشنجت عضلاته واستعد للانقضاض. وأدرك بعد هنيهة أن أفعال ذلك الشخص
تخرج به عن مصاف الذكور تماماً، حين تفاجأ بأصابعه تتحسس فخذيه، محاولة الوصول إلى
مكمن ذكورته. أزاح يد ذلك المتطفل في عنف دون أن يتكلم وهب واقفاً يتلمس الباب.
عندما أعطاه ظهره وهم بالخروج سمعه يقول دون حياء : " تعال .. جرِّبها مرة،
وأنا على يقين أنها ستعجبك" ، فاغتاظ حلمي وقال في حنق: " اغرب عن وجهي
أيها القبيح وإلا..." وقبل أن يكمل جملته قاطعه الرجل ضاحكاً:" لا عليك،
اذهب لشأنك، غيرك الكثير هنا".
قرر حلمي منذ
ذلك اليوم ألا تطأ قدمه دور السينما، لكنه تمشى بعد ذلك مع " نجلاء " في
وسط البلد، فأدخلته إحدى دور السينما عنوة، وتعجبت في البداية من رفضه في حين كل
الشباب يحلمون بموعد هكذا مع حبيباتهم. كان الموقف الذي مر به في سينما "
الكورسال" ما زال عالقاً أمام ناظريه، لكنه اكتشف أن الأمر مختلف تماماً
عندما دخل معها، المقاعد مريحة والقاعة مكيفة.. شباب وشابات هنا وهناك، فجلس
مطمئناً. قبضت نجلاء خلال فترة العرض على يده، تداعبها، تضمها إلى صدرها وتتنهد، وما
إن توارى مشهد ذلك المتخنث حتى تجاوب معها، ثم رد لها الملامسة بأضعافها.
***
وقف الأتوبيس
ما يقرب من عشر دقائق في مواجهة سينما " الكورسال" ثم تحرك بطيئاً خلف
ذلك الحبل الطويل من السيارات... يبدو أن بائع العطور قد
انتهى من مهمته. كان الشاب ذو الفانلة الحمراء، الذي اشترى منه علبة العطور
الأولى، يقف في المنتصف تماماً، وعندما تحرك البائع للأمام تقدم خلفه، ثم توقف
عندما توقف البائع، ليفصل بين حلمي- الذي كان النعاس يغالبه- والشاب المدعو
إبراهيم، الجالس إلى جوار هناء، ويبدو أن إبراهيم وجدها فرصة ليتأكد من هاجس ما
يدور في رأسه فسأل الشاب:
- من
أي البلاد أنت؟
- من
الواحات.
- إمم...
أين ستنزل بالضبط؟
كان
إبراهيم يسأله وهو يبتسم في سخرية مقصودة، بينما الشاب يجيبه في ارتباك يظهر في
نظرة عينيه وملامح وجهه.
- سأنزل
عند محل العصير، فصاحبه قريب لي. قال الشاب
- حقاً؟
وأين ذلك المحل؟
- هناك...
بجوار المحطة.
- نعم..
تماماً.. عند صاحب محل العصير.. بالتأكيد.. أليس هو ذلك الرجل الذي يلصق شارباً
مستعاراً؟
قال
ذلك بصوت مرتفع وهو يقهقه، ولم يتلق رداً من الشاب الذي شعر أن اللعبة قد بدأت
تنكشف، فتقدم للأمام قليلا في أثر البائع. نظر لهما السائق في المرآة المثبتة،
وأبطأ من سرعته، البطيئة في الأساس. عندما ابتدءا في هبوط الدرجات القليلة التي
تؤدي إلى الباب الأمامي، وصارا بمحاذاة السائق، فتح لهما الباب، فقفزا في الحال،
قفزة من تدرب على ذلك مئات المرات.
كان
إبراهيم يجلس على طرف مقعده تاركاً ساقه تتدلى في نهر الطرقة فتهتز مع اهتزاز
الأتوبيس - الذي كان يتقدم ببطء في نهاية الشارع - ومفسحاً المجال أيضاً لهناء، كي
تجلس على راحتها، وقد كانت كذلك بالفعل. لا تفتأ تتقافز على المقعد يميناً ويساراً
مثل جَدْي صغير تُسعده شمس الشتاء... تُخرج هاتفها الخلوي من حقيبتها التي لم
تطمئن لحظة فوق فخذيها، تعبث بأصابعها الطويلة في لوحة المفاتيح، ثم تدسه مكانه، لتخرجه
بعد دقيقتين على الأكثر. كان إبراهيم يلاحظها في صمت، ولمحها بطرف عينه اليسرى،
وهي تنظر إليه عدة مرات خلال المسافة الصغيرة التي قطعها الأتوبيس في ما يقرب من
نصف الساعة، من محطة الترجمان حتى نهاية شارع 26 يوليو" فؤاد سابقاً".
انفتح الطريق، وابتدأت السيارات تمرق بجوار
الأتوبيس، ثم تتخطاه مطلقة أبواقها العالية. ألصقت جميلة وجهها بزجاج النافذة
بينما كانت الإطارات الكبيرة تهتز فيحتك وجهها بالزجاج البارد. تنظر ناحية بولاق
وتتمنى أن لو استطاعت اختراق الزجاج الآن لتكون هناك... والدها يشعر بها ويشفق
عليها ويدرك مدى ارتباك مشاعرها وتضارب أفكارها.
علا دوي المحرك فجأة وهو ويصعد بداية كوبري 15
مايو. كان حلمي ينظر بدوره من النافذة ذاتها مائلاً برأسه قليلاً للأمام. هذه
بولاق، تمتد عن يمينه مترامية الأطراف. يتقدم الأتوبيس صاعداً، فتهبط المدينة،
وتظهر أسطح بناياتها القديمة.. يتقدم الأتوبيس صاعداً، وبولاق تتراجع شيئاً فشيئاً
للخلف، فتلتف معها رأسيهما. تظهر المدينة أمام ناظريهما كتلة واحدة متماسكة تخترق
سماءها مآذن متناثرة من عصور مختلفة، ومبان جديدة تناطح السحاب. بدأ الصوت في
الداخل يخبو بينما كان دوي المحرك يعلو ويهبط، يصخب ويئن. ربما اختلطت عليه
المشاعر أيضا عندما ولى وجهه شطر الصحراء. مثله في ذلك مثل هؤلاء الركاب، تهفو
قلوب بعضهم للواحة بينما ترنو قلوب بعضهم الآخر للخلف، نحو نقطة الابتداء. كان
حلمي يشعر بارتباك ما، مشاعره كأنها حبل رقيق شُد إلى قمتي نخلتين، وكلما اشتدت
الريح تطوحهما هنا وهناك، فيشتد الحبل حتى يكاد أن ينقطع... ها هو على الطريق
ثانية، بعد ثلاثة أعوام غاب فيها عن الواحة، مخلفاً بولاق وراءه، غارقة في أضوائها
المنعكسة على صفحة النيل، بينما يشق الأتوبيس طريقه بين زحام المركبات الذي يمتد
إلى ما لا يستطيع البصر أن يحده.
- 15 -
نام حلمي في
منعطف الحارة التي لم يكن يعرف لها اسماً، في الليلة التي قدم فيها من الواحة. لا
أسماء للشوارع في واحته إلا فيما ندر. استيقظ عند مطلع الفجر على صوت شخصٍ ما. كان
الرجل يقف عند قدميه قائلاً بصوت خفيض:
-
أيها النائم..
يا بني. فتح حلمي عينين مجهدتين، وهو يظن أنه نائم في حجرته:
-
نعم؟
-
استيقِظ. لماذا
تنام هكذا؟ قال الرجل.
نظر للشخص الواقف
قبالته، تأمله قليلاً، كعادته حين يقابل شخصاً للوهلة الأولى، فرأي في عينيه طيبة
وحُسن نية.
-
لقد وصلتُ الليلة
الفائتة من البلد ، ولم أستطع العثور على المكان الذي أقصده.
-
هذا شأن الغرباء
جميعاً. من أي البلاد أنت يا بني؟
-
من الواحات.
لاحظ حلمي أن أسارير الرجل قد تهللت عندما تلفظ أمامه باسم بلدته، فتعجب لحاله.
-
أحسن ناس طبعاً.
أهل الواحات أناس فضلاء جداً. ما اسمك إذن؟
-
حلمي. أجاب، وهو
مازال يتعجب من محبة الرجل الزائدة لأهله.
-
أنا عمك سمير.
قال، ثم أشار إلى عربة يد بعجلتين خشبيتين، ترتكز على قائمتين من الخشب، على بُعد
خطوتين منه قائلاً:
-
أمتلك عربة
الفول تلك.
تأملها حلمي في تؤدة.
ليست أكثر من صندوق خشبي مدهون باللونين الأخضر والأحمر، كُتبت عليه عبارات تدل
على أن الرزق من عند الله، وآيات قرآنية تقي من الحسد، وعبارة أخرى تقول: "
لو خلص الفول أنا مش مسئول". في منتصفها تجويف مستدير بحجم " قِدْرة
الفول" التي تجثم فيه.
-
الله يزيدك. قال
حلمي.
-
طبعاً جئت من
واحتك كي تعمل؟
-
نعم، أكيد.
-
ما رأيك أن تعمل
معي؟
-
كنت أود أن أعثر
على " حجرة الواحية " أولاً.
-
حجرة الواحية لن
تطير، ثم إنها هنا، على بعد خطوات منك، ما إن تصل إلى نهاية تلك الحارة، وتنعطف في
" الخطيري " يميناً حتى تجدها على يمينك أيضاً.. اللهم اجعلنا من أهل
اليمين. قال المعلم سمير هذا ثم تابع: " أنا عندي سكن لك، هذا إن أحببت، ثم
إن الزحام في تلك الحجرة لا يطاق". تعجب حلمي من كلمات الرجل الأخيرة. كيف
عرف أن الحجرة شديدة الازدحام!!
-
أبي أخبرني أن
أذهب إلى هناك، وانضم إلى معارفي من الواحة.
-
ما اسم والدك؟
سأله الرجل وهو يدقق في ملامحه أكثر.
-
عبدون.
-
صدقني لن تطيق
المبيت هناك ليلة واحدة. الحجرة معتمة لم تر الكهرباء منذ أن سُكنت، كما أن دورة
المياه مشتركة بين حجرات ثلاث، تلك التي تحتل الدور الأرضي، ولا كهرباء فيها أيضا.
منظرك يوحي بأنك شاب طيب، ولن تحتمل.
-
هل تعتقد أني
شاب ضعيف إلى هذا الحد؟
أغاظته جملة " لن تحتمل"، خاصة أن
والده كثيراً ما قال أنه " ابن بيت " ولا يستطيع العيش في الغُربة. لكنه
رأى الحجرة فيما بعد، وحمد الله أنه قابل المعلم سمير في ذلك اليوم. فالحجرة معتمة
على الدوام، ولا يدخلها ضوء الشمس. يسكنها سبعة من الشباب، يفترشون الأرض.
-
لم أقصد إغاظتك،
لكنك سترى بنفسك. ثم إني أحتاجك فعلاً. الصبي الذي كان يعمل معي تركني بالأمس دون
أن يعلمني وعاد إلى بلدته.
-
حسناً، أنا
موافق.
-
رائع، ضع أمتعتك
فوق العربة، ثم اسحبها واتبعني.
كان " قِدر الفول" فوق العربة،
وطبق كبير من الألمونيوم، وأكياس كبيرة من الطماطم والبصل والجزر والفلفل داخلها.
مشى الرجل وحلمي خلفه يشد العربة التي استشعر ثقلها بعد عدة أمتار، لكنه ثابر،
وحاول أن يُظهر لرب عمله أنه قادر على أن يسحب عربتين معاً في آن واحد. تخطيا
الحارة بعدة بضعة أمتار وانعطفا يساراً في الشارع الجديد، قطعه حلمي من بدايته حتى
وصلا " شارع السبتية"، وهو يسير في خطوة منتظمة. وجد حلمي في البداية
صعوبة في المحافظة على اتزان العربة، فكانت أحياناً تميل منه للأمام فتسحب ذراعيه
فجأة لأسفل، أو ترتفع دون إرادته لأعلى في أحيان أخرى، لكنه فهم اللعبة بعد عشر
دقائق تقريباً، واستطاع أن يزنها ويسحبها بربع مجهوده الأول. ظل حلمي على تلك
الحال ثلاثة سنوات متتالية، لم ينقطع فيها عن جر العربة من أمام الحجرة التي كان
المعلم سمير يؤجرها في بداية شارع الخطيري إلى أن ينتهي في شارع السبتية. كان بائع
الفول يقطن في تلك الحجرة في البداية، ثم انتقل إلى شقة في " القُلَلِي
"، بعد أن تيسر حاله، مستخدماً تلك الحجرة لتسوية الفول. لم يكن يفضل الذهاب
إلى "المُسْتَوْقَد" حيث يسوي معظم الباعة الجائلين قدورهم هناك. كان
مؤمناً بأنه لا أحد يستطيع تأدية عمله مثله، فالعمال في المستوقد لا يهمهم أن يخرج
الفول بشكل جيد، وناضجاً بما فيه الكفاية.
أعطى المعلم سمير مفتاح حجرة الخطيري لحلمي منذ
يومه الأول، قائلاً له: " لن أطلب منك الاهتمام بقدر الفول، ولن أستأمنك على
أشيائي، فمثلك لا يحتاج إلى التذكير بهذه الأمور". عرف حلمي، بعد شهر من
عمله، لِمَ كان معلمه يمتدح الواحة وأهلها. قال له يوماً بعد أن انتهيا من العمل:
"
-
سأخبرك بشيء
تعرفه للمرة الأولى، اسمع يا حلمي، أنا من الواحة أيضا.
-
كنت أشعر بذلك. قال حلمي في هدوء ثم أردف:
" بل كنت أكاد أجزم بهذا الأمر، لكني خجلتُ أن أتطفل وأسألك. ملامحك تنبئ أن
جذورك نمت في تربتها.
- لقد سألتك عن اسم والدك لأتأكد من أمر، وتأكدت
منه. جاء والدك إلى قريتنا يوم أن مات " سعيد الحفَّار"، لم يكن والدك
وحده، بل جاء مع جمع من الناس لتعزية أبناء عم سعيد رحمه الله، كان ذلك منذ
سنوات".
-
المعلم سعيد
حفَّار الآبار؟
-
هو بعينه.
-
وما زلت تتذكر
والدي بعد كل تلك السنوات؟
-
لم أكن لأتذكره.
تذكرته فقط حين رأيتك، أنت تشبهه إلى حد كبير.. كبير جداً.
***
كانت الساعة
قد بلغت السادسة صباحاً عندما وصلا إلى " المَوْقَفْ" الذي اعتاد المعلم
سمير أن يقف فيه بعربة الفول. يبيع " الساندويتشات" للمارة، ويقدم طلبات
لأصحاب محلات " الخُرْدَة" في شارع السبتية، و" سوق العَصْر"،
على صوانٍ صغيرة من الألمونيوم. في ذلك اليوم قال له المعلم سمير: " اسمع يا
حلمي، هل تعرف أنك لن تعمل معي اليوم؟". عندما سمع حلمي ذلك أسقط في يده وظن
أن الرجل قد غير رأيه، فتغيرت ملامحه. فتدارك الرجل الأمر قائلاَ: " أقصد أنك
سوف تلاحظني، تقف بجانبي وتتفرج. عملنا يمتد من الآن حتى الساعة الحادية عشرة
صباحاً. أريدك أن تراقب كل شيء: حركة يدي، حديثي مع الزبائن وحديثهم معي، تعبيرات
وجوههم.. كل شيء. ولا تحرك ساكناً إلا إذا أمرتك.فهمت؟". أومأ حلمي برأسه عدة
مرات. كان المعلم سمير يجهز " الفَرْش" قبل أن تفتح الدكاكين. يقطع
الطماطم والجزر في سرعة وبحرفية بالغة، ويخرط الجرجير والفلفل الأخضر. قام حلمي في
اليوم الأول بأعمال بسيطة. أخرج زجاجات الزيت، ووضعها حيث أمره الرجل. أخرج أيضا
أكياس البهارات ووضع بعضاً منها في أطباق صغيرة. ثم وصف له الرجل مكان الفُرن،
وطلب منه أن يذهب لإحضار الخبز، ولما لم يتحرك قال سمير:
-
ماذا تنتظر؟
اذهب بسرعة قبل أن يمتد طابور الخبز إلى هنا.
-
النقود. لم
تعطني نقوداً.
-
نعم. لا عليك،
نحن ندفع في نهاية الأسبوع. فقط اذهب لـعمك " عبد الحميد " هناك، وقُل
له أن المعلم سمير يقول لك " صباحك خراء نحل "
نفذ حلمي
كلام معلمه بالحرف، ولو أنه استهجن لفظة " خراء " تلك. ثم أقنع نفسه في
الطريق أن خراء النحل ما هو إلا العسل. لم يكن أمام باب الفُرن سوى بضعة أفراد،
وفتاة تلتف في عباءة سوداء لامعة. كانت العباءة مفتوحة من الأمام وقد شدت الفتاة
أطرافها بيديها نحو أسفل صدرها، الذي ظهر بارزاً مثيراً، بينما لم يظهر تحت طرفها
السفلى سوى بنطال أحمر. كان البائع واقفاً خلف بنك خشبي يسد به باب الفرن، بينما
صبغت ذرات الدقيق ملابسه وشعره الأشيب ووجهه باللون الأبيض.
تأمل حلمي كعادته
الوجوه قليلاً، وأطال النظر للفتاة التي انتبهت لنظراته المفترسة، فنظرت إليه من
طرف خفي ثم عضت شفتها السفلى. كان البائع يلاحظه، بينما يتفحص ذات " الملاية
اللف". إنها أول فتاة يقابلها وجهاً لوجه، في أول صباح له بالقاهرة. فتاة
ممشوقة القد، عامرة النهد، بيضاء البشرة، ذات خدود منتفخة قليلاً. استرعت مؤخرتها،
التي لم ير لها مثيلاً من قبل، انتباهه. أما هي فقد أحكمت لف الملاية على خصرها
عندما لمحت نظراته. كانت عيناها الواسعتين قد استلبتا لبه منذ أول نظرة. وقف
فاغراً فاه، فبدا كالأبله في نظر الواقفين. كان البائع ينظر إليها أيضاً، لكن
نظراته كانت فاضحة، ومملوءة خبثاً...
تعامل حلمي مع
عبد الحميد لمدة ثلاثة سنوات، عرف خلالها عنه الكثير. هو رجل في الخمسين من عمره.
كان قد عشق فتاة في شبابه ولم يتزوجها، يقولون أنها أفهمته أنه الذكر الأوحد على سطح
البسيطة، لكنها كانت ترافق شاباً آخر. كان عبد الحميد يعطيها الخبز يومياً
بالمجان. ما إن تصل حتى يفسح البنك الخشبي قليلاً بما يسمح بمرورها، فتعطيه يدها
ليطبق عليها كما يشاء، وتدخل وهي تتلوى أمامه وتتكسر. تنتقي من وراء "
مَطْرَحَة " الفَرَّان ما تريد من الخبز، ثم تسأله إذا كان معه مالاً،
فيعطيها فوق ما تريد. كان صاحب المخبز يترك أمر إدارة الفرن في وردية النهار لابنه
الذي تواطأ مع البائع، وجاء أمر تلك الفتاة على هواه. كان يحب أن يراقبهما حيث
يجلسان معاً بجوار " المَعْجَنَة "، في حجرة جانبية. تأتي الفتاة جاهزة
ومستثارة على الدوام. الأزرار العلوية للبلوزة مفكوكة تحت الملاءة السوداء، التي
ما إن تنفلت أطرافها، حتى يظهر مفرق نهديها. كان عبد الحميد يطرحها على جوال فارغ،
أعده خصيصاً لها، ثم يلهو بها كما يحب. علم بعد سنتين من علاقتهما، أنها كانت
ترافق آخر، وتنفق عليه النقود التي تستنزفها منه، فمنعها من دخول الشارع تماماً،
وابتدأ يستدرج الفتيات الساذجات إلى الداخل. حتى " نجلاء "، تلك الفتاة
التي علق حلمي بها، منذ أن رآها أول يوم في فرن الخبز. استمتع بها البائع لفترة،
ثم عادت لعقلها وتمردت عليه، فأعادها لتقف في طابور الخبز.
كانت نظرة
حلمي نحوها مفعمة بالانبهار والرغبة في الأنس، الرغبة في التشبث بواقعه الجديد، في
محاولة إقصاء الواحة جانباً لبعض الوقت. كان بين جوانحه أمل كبير في أن يصنع لنفسه
شيئاً هنا. لكنه لم يكن يعلم أنه سوف ينسى " صابرين " ابنة "
حَمَّاد " التي هام بها، منذ أن وطأت قدماها ثرى الواحة ذات صباح...
جاءت صابرين
لتزور والدته ذات قيلولة.. تُمسِي شوارع القرية وأزقتها خالية من البشر في مثل هذا
الوقت.. أجابتها والدته من الداخل، عندما طرقت بوابة البيت المنفرجة، وخرجت
لاستقبالها متهللة الأسارير. كان قد وصل إلى أذنيها نثار كلمات عن ميلهما إلى
بعضهما البعض، لذا فقد أشارت لها إلى حجرته قائلة:" ادخلي إليه يا حبيبتي،
أنت واحدة منا". دخلت الفتاة وهي ترفل في رائحة الصابون. كانت قد اغتسلت
وتهيأت لتلك الزيارة. كيف لا، وهي ابنة المدينة، وقد تعلمت كيف تجتذب الشباب. مرت
أمام أمه في خطوات منتظمة مهذبة. تأملتها الأم من الخلف ثم قالت: صابرين فتاة
عاقلة وجميلة ". ثم رفعت يديها للسماء: " اللهم قَرِّب البعيد، ويَسِّر
له الأمور".فاجأته في الحجرة فلم يعرف وقتها ماذا عليه أن يفعل، لكنه
وجد نفسه يقول: " مرحباً يا غزالتي الشاردة. لقد سألت نفسي منذ قليل: من أين
يتدفق كل هذا النور؟ فإذا بك هنا، في بيتنا، في حجرتي، أمر لا يصدق". كان
واقفاً ينظر في عمق عينيها مباشرة، بينما يده القوية تحتضن أصابعها البضة. ثوبها
المزركش الخفيف حدد تضاريس جسدها تحديداً محكماً. اقترب منها حتى امتلأ برائحتها، ساعده
تجاوبها أن يحتضنها في رقة، بينما كانت أصابعه تمر منسابة على جسدها الطري مثل قطرات
ماء دافئة. كانت أصابعه تتحرك دونما خبرة مسبقة لكن عن وعي.. تخلصت منه في هدوء ثم
همست" أنت شاب طيب يا حلمي"، ثم خرجت تاركة رائحتها في المكان.
كان قد قرر زيارة حماد بعد ثلاثة أيام من
وصوله إلى الواحة ومعه ابنته. نظرة تلك الفتاة جديدة عليه، كذا طريقة مشيتها التي
لم يعتدها في فتيات الواحة. كان يقول لنفسه إنها بتلك الطريقة ترقص، لا تمشي...
سمع جلبة في الداخل، صراخ أطفال وأصوات عالية لنساء وفتيات القرية اللاتي جئن يباركن
للعمة " فوز" عودة الرجل الذي غاب طويلاً، ويشاهدن الفتاة التي انتشر
خبر جمالها الأخاذ. طرق الباب المفتوح على مصراعيه:
-
يا عم حماد.
-
من؟ جاء الصوت من الداخل.
-
أنا حلمي.
-
ادخل يا ولد يا حلمي. كان صوت العمة
" فوز " هذه المرة.
لقد اعتاد الجميع منذ زمن، صغاراً وكباراً،
على مناداتها بالعمة فوز. هي ليست عمة أحد في القرية بالفعل، لكن اسمها جرى هكذا
على ألسنة الجميع.
قطع الصالة الواسعة في مدخل البيت بخطوات
بطيئة. شد ياقة جلبابه بأطراف أصابعه، وتوقف أمام باب القاعة الطويلة، التي خلت من
أي أثاث اللهم إلا من سجاد يدوى كبير. كانت القاعة غاصة بالزائرات، وقد برزت
الفتاة من بينهن كما يبرز القمر بين آلاف النجوم. وجه مستدير أبيض مثل طبق الدقيق،
شفاه مكتنزة، وشعر أسود مسترسل. سلم على الحاضرات ثم امتدت يده لمصافحتها.
-
حمد لله على السلامة. قال، وقد تحول جسده
كله إلى ابتسامة تمشي على قدمين.
-
أهلاً بك. قالت وهي تمنحه نظرة ظليلة.
-
هذا حلمي ابن عمك عبدون. قالت الجدة، ثم
أشارت إليها: " وهذه صابرين".
لم تكن تحتاج إلى تعريف، فقد عرفها كل صغير
وكبير، منذ أن وضعت قدميها خارج السيارة. سحبته من يده إلى حجرة مجاورة وهي تغرد
مثل عصفور:" تعال معي ".
الحجرة مستطيلة وممتدة لدرجة أنها من الممكن
أن تصلح مكاناً للعب، فيها صناديق، وحقائب وجرائد قديمة متناثرة هنا وهناك. ظلت
الجرائد لفترة دليلاً دامغاً على قدوم أحد المسافرين إذا وجدت خارج أحد البيوت،
فلم يكن أهل الواحة يرون الجرائد إلا إذا عاد أحدهم من القاهرة... يبدو أن أياد
كثيرة عبثت في محتويات تلك الصناديق والحقائب المبعثرة في أرضية الحجرة.
انحنت
لتلتقط شيئاً من داخل كيس أصفر كبير يشغل أحد أركان الحجرة. جلبابها الخفيف أظهر
تضاريس جسدية زائدة عن اللزوم. عض على شفته السفلى حتى كاد الدم أن يتفجر: "
إيه يا بنات مصر، ما أجملكن!!".
" خُذ ". قالت، وهي تمد يدها إليه
بتفاحة حمراء. ابتسمت عندما لمحت نظراته المبعثرة المجهدة، وكأنما جاءت من سفر
بعيد:" شكراً ". قال، وهو ينظر أسفل قدميه.
قَلَّبَ
التفاحة بين يديه، وقربها من أنفه يشمها، ثم دسها في جيبه، وهمس: " تفاحة
حمراء كبيرة".
كان
يحدث نفسه حينما اقتربت منه حتى صار الخط الفاصل بينهما خطوة واحدة، فغشت أنفه
رائحة جسدها المزدهر. تقهقر خطوة إلي الوراء. كانت عيناها تفيضان دفئاً لم يره من
قبل، وتحرك داخله شعور غريب لم يعرف كنهه: " ماذا تريد بنت الجنية تلك؟
". صافحها ليخرج، فضغطت على يده قليلاً قائلة: " لا تغب كثيراً، تعال
لنراك".
***
لاحظ عبد الحميد نظرة الشاب، الذي يراه للمرة
الأولى، وهي تتفقد جسد الفتاة الفائر فصاح فيه :
-
أنت، ماذا
تريد؟ انتبه حلمي للصوت.
-
المعلم سمير
يقول لك " صباحك عسل نحل".
-
المعلم سمير
صاحب عربة الفول الذي يقف على ناصية شارع السبتية؟
-
نعم
-
هل تعمل عنده؟
-
أعمل معه، لا
أعمل عنده.
-
يبدو أنك فتى
ثرثار. هل قال "عسل نحل"؟
-
لا، قال .......
-
لن أستطيع
إعطائك شيئا.
-
قال " خراء
". قالها باستحياء، فهو لم يتعود على النطق بمثل تلك الكلمات.
-
خراء، رددها
البائع ممطوطة وهو ينظر باستهزاء ناحية الفتاة، ثم تابع: " لا فرق بين
الكلمتين". قال ذلك ثم أردف: " أنت إذن صبي المعلم سمير؟ أين ذهب ذلك
اللص الذي كان يعمل معه حتى أمس؟"
غضب حلمي من كلمة " صبي " وكاد يلكم الرجل في
وجهه، لولا أنه اعتاد أن يكظم غيظه، لكن كلمة " اللص " التصقت في أذنيه
ولم تخرج إلا فيما بعد:
-
لست صبياً، أم
أنك لا ترى جيداً؟
-
بالفعل، جسدك
قوي بما يكفي لجر عربة. هل جررت العربة؟
-
نعم.
ما إن قال " نعم" حتى ضحك
الواقفين. لم يدر وقتها لم يضحكون. لكن نجلاء، التي ذهبت لتشتري منه الفول في نفس
اليوم، قد أخبرته فيما بعد أن ذلك الخبيث الذي يبيع الخبز كان يقصد أنه مثل الحمار
في جر العربة. وقالت أنها متأكدة من قوته، وطيبته التي تتضح في عينيه العميقتين.
كانت "نجلاء" تجيء يومياً بحجة شراء الفول. فتلقي عليه السلام، وهي تبعث
إليه نظرات تفيض بالشوق. كان أكثر منها شوقاً لكن خجله كان يمنعه عن الإفصاح عما
بداخله. كانت تتعمد أن تجر أصابعها في بطيءٍ داخل كفه عندما تصافحه. ثم باتت تترك
إصبعها السبابة يحفر باطن كفه حتى ينتهي عند أطراف أصابعه. تلك الحركة كانت كفيلة
كي تشعل في جسده النار، فلا يستطيع النوم...
لم يكن يقدم
على أية خطوة إلا إذا بادرت هي باتخاذها. هي التي بدأ الحديث والمصافحة والمشاغلة،
هي التي أقدمت على أن تضرب موعدهما الأول في حديقة عامة، ذهبا بعد ذلك معا إلى دور
السينما، وتمشيا على الكورنيش. لم تكن تشبع من الخروج، لكنه كان معتدلاً في
الإنفاق...
ذات صباح دافئ
سألته عن مكان سكنه فأخبرها. كانت تعرف قبلاً أين يسكن بالتحديد، فقد تتبعته ذات
مرة إلى أن أدار المفتاح في القفل ودخل. لم يضع في حسبانه أنها يمكن أن تتجرأ
وتقدم على تلك الخطوة . لكنها خيبت ظنونه، وطرقت عليه الباب بعد عدة أيام. كان
غارقا في النوم، فلم يسمع طرقاتها على الباب، لكنه أفاق على صوتها. ظن في البداية
أنه كان يحلم، ولما طرقت الباب للمرة العاشرة تقريباً، نهض بتثاقل. مشى نحو الباب
وما إن فتحه حتى هرولت للداخل قبل أن تلقي عليه السلام. فكر في أن يتحايل عليها
حتى تخرج ، ثم استسلم للواقع. وقف صامتاً يتفحص وجهها كأنه يراها لأول مرة.
ابتسمت وهي تهمس: " لماذا تنظر إلي هكذا؟ " ثم تابعت: " هل تعرف أن
لك عينان جميلتان، ودافئتان؟ وشجعته ابتسامتها، ونظرتها التي لا تخطئها عين. كان
يشعر أن فراغاً كبيراً داخله ولابد له أن يمتلئ. مرت فترة من الصمت. اقترب منها
قليلاً وثبت نظراته في عينيها حتى أحس بأنه يغوص داخلها. أمسكها في لطف من كتفيها
فانزاحت الملاءة لتهبط أسفل قدميهما. كان تحتها ثوباً حريرياً فضفاضاً، أحمر اللون،
ذو أزرار ذهبية، وليس له أكمام. كانت ذكية ومتحفزة، تتجاوب سريعاً مع أقل لمسة،
حتى أنها كانت بين أحضانه للمرة الأولى، كقطة تهرع إلى صاحبها لتتمسح به، وكان
كتفاها العاريتين يسطعان بالضوء مثل قمرين في ليلة التمام.. دم يتدفق، ورغبة ترتفع
عالية مثل أشجار الكافور.. لأول مرة يقضم من ثمرة لها هذا الطَعْم، ويرتشف نبع
عسلها.. أما هي فقد جربت ذلك الأمر من قبل مرات، لكنها كانت تشتهي أن تفعلها ولو
مرة مع ذلك الفتى الصلب... لما انتبها، كانت أزرار ثوبها مفكوكة، بينما ظهر نهديها
وهما ينتفضان في عشهما الحريري في دهشة. كانت على صدرها المرمري آثار واهية لأظافر
برية جائعة. بهت لمنظر ملابسه، وأفاق على تلك النار التي تسري في أوردته. أنفاسهما
المتلاحقة تؤكد أن شعورا رائعا ومختلفا يجتاحهما الآن، وأنهما كانا على وشك
الطيران بلا أجنحة. حين ثابا إلى رشدهما تيقن حلمي أن خطباً جليلاً كاد أن يقع،
وأنه كان على شفا كارثة، فانحنى سريعاً وألبسها ملاءتها وأصدر أمراً قاطعاً أنه لا
يحبذ إطلاقاً أن يراها ثانية في حجرته. بعد أن خرجت حاول أن يتذكر كيف بدأ الأمر..
ماذا حدث، وكيف حدث؟ لكن عقله المضطرب لم يمنحه إجابة تشفي غليله.
-
16 -
لم تكف هناء عن الحركة. كان رأسها مثل مروحة
المكتب، دائمة التلفت لليمين واليسار، ويداها تنتقلان في سرعة ما بين الحقيبة،
وإرسال التحيات للفتيات، أو تعديل وضع "الإيشارب" دائم الانزلاق للخلف.
لم يكن الإيشارب الأسود الذي تضعه على رأسها محكماً، فكان ينزلق مع حركتها
الدائمة.. ربما تركته هكذا متعمدة ليظهر شعرها الطويل الناعم، الذي يترك حدود
الإيشارب ويندفع هابطاً للأسفل، حُرَّاً طليقاً كذيل فرس حتى ينتهي عند منبت
مؤخرتها، ملمومة أطرافه في " توكة " برتقالية اللون، بينما شالها الواسع
- الذي كانت تلقيه على كتفيها- مطوي على فخذيها.
كانت في حركتها الدائمة تلك تمنح إبراهيم لمسات
خفيفة وناعمة، في أجزاء متفرقة من ذراعه الأيسر وفخذه، كان يستعذبها.. الأمر الذي
جعله متحفزاً على الدوام، محاولاً تفسير كل ما تأتي به من حركات.. هل كانت تقصد
بالفعل أن تلمسه، أم أن تلك هي عادتها؟
لماذا تختلس النظر إليه بهذا الشكل بين الحين والآخر؟
وما الذي ترمي إليه من وراء ابتساماتها الواهنة ولمساتها الخفيفة؟
لقد ظلت تتابع
حواره مع الشاب النحيف، ذو الفانلة الحمراء، الذي اشترى علبة عطور كاملة. تابعته
بانتباه إلى أن قفز البائع قبل بداية الكوبري محيياً عم علي، وتبعه ذلك الشاب
حاملاً علبة العطور التي يُفترَض أنه اشتراها!!
تباعدت
المسافات بين المركبات عند نهاية الطريق الدائري، وظهرت مساحات واسعة من الأرض
الفضاء على جانبي الطريق، بينما ظهرت البنايات من بعيد مثل كتلة سوداء واحدة
متصلة، يعلوها خيط رفيع من أضواء صفراء وبرتقالية وبيضاء خافتة. كان الأتوبيس يطوي
الأرض طياً، وهو يمنح الركاب اهتزازات رتيبة.. ما زال دوي المحرك المرتفع وصوت
الهواء الذي يضرب النوافذ من الخارج يطغى على صوت القارئ.
فتح الشاب
الذي كان قد أغلق الكتاب كتابه مرة أخرى ودس عينيه بين سطوره، محاولاً القراءة على
هدى الضوء الذي تبثه اللمبات الموزعة بانتظام في السقف... مالت هناء ناحية إبراهيم
تسأله كيف استطاع أن يكتشف حقيقة ذلك الشاب، وصديقه البائع.. ها هي قد أعطته بداية
الخيط للحديث. أخبرها أن ذلك الشاب وبائع العطور شريكان، وتتلخص مهمة ذلك الشاب في
تشجيع الركاب على الثقة في المنتج المعروض، على اعتبار أن المشتري متردد دائماً
ويحتاج إلى من يحثه، وليس هناك من وسيلة أفضل في كسب الثقة من أن يشتري أحدهم علبة
كاملة من ذلك النوع الذي يعتقد أنه من أردأ الأنواع، حيث يتم تصنيع تلك الأشياء في
الخفاء.. بعيداً عن أعين الرقابة.
رن هاتفها الجوال بينما كان إبراهيم ينهي حديثه
معها.. ألقت نظرة على اسم المتصل، ثم ضغطت بسرعة زر الإلغاء قائلة : " مكالمة
غير مهمة.. من شاب ثقيل الظل". قالت دون أن يسألها أو يطلب منها تفسيراً،
لكنه رأى أن ذلك مؤشر جيد، ونقطة في صالحه.. لذلك بادر بسؤالها:
-
من
أي منطقة في القاهرة أنتِ؟
-
لستُ
من القاهرة أصلاً .. أنا من الإسكندرية.
-
أمر
غريب.. ما الذي جمع الشامي إذن مع المغربيّ؟
-
ماذا
تقصد؟ قالت مبتسمة.
-
أقصد
ما العلاقة بين الإسكندرية في أقصى الشمال والواحات في أقصى الجنوب؟
- فهمت. جدي أصلاً من الصعيد، سافر إلى الإسكندرية للعمل..
ثم استقر هناك وتزوج.. والدي لم يزر الصعيد ولا مرة واحدة. هو مستقر في
الإسكندرية، مسقط رأسه.. أما عمي فهو يعمل في الواحات..أنا ذاهبة لزيارة بنات عمي.
-
إذن
أنت مُهَجَّنَة؟ سأل إبراهيم ضاحكاً.
-
وكيف
ذلك؟ سألته وهي تحيطه بنظرة ثاقبة.
- الأمر له علاقة بتحسين السلالات.. عندنا في الواحات
مثلاً، عندما نريد تحسين سلالة الأبقار " البلدي " فإننا نطلق وراءها
ذكوراً من نوع " الفرِزْيَان ".
ضحكت هناء ضحكة رفيعة أقرب إلى ضحكات الأطفال،
وهي تفرد كفها ناحية إبراهيم، فطرقه بأصابعه طرقة خفيفة، بينما تقول:
-
لا،
حلوة.. لكن أفهم من ذلك أن ذكور الواحات ليسوا أقوياء بما فيه الكفاية؟
- لا، لا. إنهم من أقوى الذكور، لكن المشكلة تكمن دائماً
في الإناث. أجاب وهو يشير ناحيتها، فضحكت ضحكة خافتة وهي تضع يدها على فمها.
كان حلمي يغالبه النعاس فتميل رأسه مع
اهتزازات الأتوبيس هنا وهناك كيفما اتفق. لقد ظل اليوم في عمله حتى الرابعة مساءً،
ومن حقه الآن أن يأخذ قسطاً من الراحة... أخذ صوت القارئ يخبو شيئاً فشيئاً حتى
ساد الصمت.. ثم انبعثت الموسيقى، تتلوى خافتة في فضاء الأتوبيس، وابتدأ الصوت يعلو
تدريجياً، " الله ينور يا عم علي.. إيه الحلاوة دي". جاء الصوت قوياً من
المقاعد الخلفية، وأجابه إبراهيم نيابة عن السائق الذي لم يرد: " وعليك يا
عُبَدْ "..، عبد الله هذا يجلس بجوار فاطمة.. تلك الفتاة القصيرة الممتلئة
التي أرادت منذ ساعات أن تتبادل المقاعد مع إبراهيم لكنه ردها خالية الوفاض.
تابعت جميلة
حديث إبراهيم مع هناء، ولم تفتها إيماءة واحدة، رغم أنها لم تسمع الكلمات التي
قالاها تحديداً، إلا أنها استطاعت ببراعة- من خلال تعبيرات الوجوه، وحركات الأيدي
والشفاه- أن تخمن نوع ذلك الحديث، وكيف تحور من حديث عام إلا حديث أكثر خصوصية.
فضولها الذي ولدت به تقريباً لن يتركها تغفل ما دامت هناك حركة... لقد اعتادت منذ
صغرها على ذلك النوع من المراقبة منذ
استطاعت أن تطل من أعلى سور السطح دون أن تقف على أصابع قدميها.. منذ أن استطاعت
أن تطل على حركة الشارع ليلاً دون أن تحذرها والدتها أو تنهرها. كانت تطيل الوقوف
منحنية على السور، تراقب المقهى بالأسفل حيث يجلس والدها مع توفيق البقال كل ليلة.
يقع المقهى داخل ممر طويل مكشوف وسط محلات الملابس، صاحبه رجل من الصعيد.. رجل
صموت لا يتكلم إلا في أضيق الحدود كأن الكلام له ثمن.
كانت تراقب
المقهى والشارع، ويطوف بصرها ماسحا البنايات المقابلة، فالظلمة الخفيفة التي تتكئ
معها على سور السطح تمنحها قدراً من الملاحظة الآمنة. كان رواد المقهى يبدون من
أعلى كبُكْم لا يتكلمون، تراهم يتعاملون عن طريق الإشارة باليد، ولا تسمع لهم كلام
مثل فيلم صامت قديم.. تطل على المقهى لتراقب والدها بعض الوقت ثم تعود للداخل،
وشيئاً فشيئاً أصبحت تجد متعة في مراقبة الجميع من هذا المسقط الرأسي وهم
يتحركون.. يلعبون الدومينو.. يشيرون بأيديهم. استطاعت بالتدريج أن تدرك المغزى من
حركات الأيدي وتفسر معناها إلى حد كبير، بل كانت رائحة الدخان المتصاعدة تغشى أنفها
فتشعرها أنها جالسة بينهم.
لم تنس ذلك
اليوم الذي تشاجر فيه لاعبان كانا يلعبان الدومينو، والمحيطون بهما ألهبوا الجو
بتشجيعهم للفائز، والتنكيل بالمنهزم والسخرية منه، حتى أنه تشاجر مع منافسه، وقلب
المنضدة، فتبعثرت قطع اللعب، وتحولت أكواب المشروبات إلى شظايا. ثم أتى بحركة
بذيئة بإصبعه الوسطى، وقام بتوجيهها للمشجعين المحيطين به. هرولت الفتاة للداخل
وأخبرت والدتها أن شجاراً قد نشب في الأسفل. جاءت والدتها مسرعة حافية القدمين وهي
تسألها: " هل والدك أحدهم؟". أطلت لدقيقة حتى اطمأنت، ثم عادت دون أن
تتكلم. أما جميلة فقد ظلت منحنية تراقب الأحداث حتى هدأ الجو، وعاد اللاعبان إلى
مكانهما يتابعان اللعب، كأن شيئاً لم يحدث.
ظلت جميلة على وقفتها الليلية تلك لم تغيرها.
تتأمل المقهى من أعلى، وتحيط بأدق تفاصيلها، كان والدها وصديقه يتبادلان دفع حساب
المشروبات.. هو مرَّة وتوفيق مرَّة، وكذلك كان يفعل معظم الندماء.. حفظت وجوه
الجالسين، وباتت تعرف مَن يأتي ومَن يتغيب، مَن يغادر سريعاً ومَن تطول جلسته حتى
وقت متأخر من الليل. كان بصرها يحتد حين يقوم أحدهم.. يمشي إلى آخر الممر.. يلصق
وجهه في الحائط.. يقف ساكناً لدقيقة ثم يستدير وهو يغلق فتحة بنطاله. عرفت فيما
بعد أن "المَبْوَلَة" المثبتة بذلك الحائط هي اختراع فرنسي في الأصل.
كانت تلك هي الطريقة التي تضيع بها وقت فراغها
في بداية مراهقتها. تطوف ببصرها متنقلة بين الشارع، الذي لا تهدأ حركته إلا يوم
الأحد، وبين البنايات الكثيرة المحيطة بها.. حجرات تضاء ، وحجرات تظلم.. هنا امرأة
تدخل مطبخها.. هناك شاب يقف في الشرفة.. موسيقى تصدح.. مشاجرة بين رجل وزوجته. ظلت
لفترة طويلة تتعجب من أمر تلك الفتاة التي كانت ترقص في حجرتها بجلباب بيتي ضيق،
لامع مثير، يلتصق بتضاريس جسدها الفائر، فتبدو للرائي من بعيد كأنها عارية تماماً،
بينما تغطي وجهها بطرحة سوداء!! كانت تضيء الغرفة.. تضغط زر الكاسيت وترقص،
فيتناهى إلى أذني جميلة ذلك النوع من موسيقى الرقص الشرقي.. تقف الفتاة في غمار
ضوء حجرتها المبهر، الذي يمد الشرفة بإضاءة خافتة تمنحها قدراً من الغموض.. كانت
تفعل ذلك ليلة كل أحد. ورغم مظهر البناية المتهالك، إلا أن الحجرة قد طُلِيَتْ
حديثاً- فيما يبدو - بلون، تنعكس الإضاءة عليه فيلمع.
ظلت جميلة تتساءل عن المغزى من أفعالها تلك؟
لماذا تقف في محيط الحد الفاصل بين الظلمة والنور؟ المسافة بين وقفتها على السور
وشرفة الراقصة يصل إلى خمسين متراً، تمثل كتلة من بنايات واطئة قديمة متلاصقة،
تعلوها ظلمة خفيفة. تمتلك الفتاة مهارة راقصة محترفة. جسدها الذي يتلوى ما بين
ظلمة الشرفة والضوء المبهر للحجرة واضحة حدوده، بارزة تفاصيله الأنثوية، حتى أنها
تبدو للرائي من بعيد عارية تماماً. بعد أسابيع، كانت الفتاة ترقص بقميص أحمر قصير،
لا يستر إلا أجزاء متفرقة من نصفها العلوي. أخذت جميلة على نفسها عهداً أن تكتشف
السر. أحضرت مقعدها الخشبي وجلست من بداية الليلة تنتظر، تراقب شرفة الفتاة وما في
محيطها.. لم تخرج الفتاة بعد، لكنها لمحت حجرة تضاء في مواجهة شرفة الفتاة من
الناحية الأخرى، وأطلت رأس شاب من نافذتها لمدة دقيقتين على الأكثر ثم توارت.. بعد
لحظات أضيئت حجرة الفتاة.. حين وصل صوت الموسيقى إلى أذنيها أضيئت حجرة الشاب لمدة
دقيقة ثم أظلمت ثانية، وما إن شرعت في الرقص حتى أطلت رأس ذلك الشاب من النافذة
المظلمة، مثل كتلة سوداء مطموسة الملامح. منذ أن رأتها لأول مرة وهي توقن أنها
قطعاً لا ترقص للهواء(...) وظل السؤال يحيرها: " لمن ترقص؟ ". حتى كانت
تلك الليلة التي أكدت ظنونها، والتي اكتملت فيها رؤوس المثلث الثلاثة. كانت هي
الرأس الثالثة الخفية التي لا يعلم الأخريان عنها شيئاً.. زاد ذلك الأمر من
متعتها. فما إن يظهر ذلك الشاب في نافذته المعتمة حتى تفقد الإحساس بكل ما
يحيطها.. تختفي البنايات ويصمت الضجيج.. يتحول جسدها كله إلى عينين. خاصة وأن
الفتاة ظلت تتخفف في كل مرة من ملابسها، حتى رقصت عارية أمامه في آخر مرة ظهرت
فيها في تلك الشرفة.. ثم لم تظهر بعد.. ربما اختطفها بعد ذلك.. ربما هربت معه، لا
أحد يدري. لكن الأكيد أنها لم تظهر ثانية.
- 17 -
التفتت للخلف
في بطء متفرسة في وجوه الركاب التي اعتلاها النعاس، بينما كان الأتوبيس يهتز، ويتوغل
عميقاً في الصحراء، فتظهر التلال والربوات المتناثرة على جانبي الطريق مثل أشباح
سوداء.. تظهر لثوان من الأمام، ثم تندفع للخلف لتختفي في غمضة عين. كانت تتابع في
هدوء حديث هناء وإبراهيم الهامس دون أن يشعرا بها. تقرأ ملامح وجهيهما.. حركات
الشفاه.. نظرات الأعين.. لمسات الأيدي. لم تكن تشعر بالوقت الذي يمر.. كان
استمتاعها يزيد كلما ازدادت جرأتهما(...).
خفت صوت
الموسيقى شيئا فشيئا حتى عم الصمت، فارتخت الأجساد وتهيأ الجميع للنوم.. لكن السائق
كان قد أعطى لتابعه أمراً فقام من فوره في نشاط وهو يقول:" أهو كده
الكلام". فتح أحد الأدراج على يمين السائق، ثم أخرج بضعة شرائط فيديو. قرأ
أسماء الأفلام على الأغلفة ثم انتقى واحداً، ثبته بيديه أمام وجهه، أخذ نفساً
عميقاً، ثم أخرج هواء صدره كله دفعة واحدة لينفض ما علق بالشريط من التراب، ثم
أعاد الكرة مرات... ما إن انبعث ضوء الشاشة حتى دبت الحركة في الأوصال، وطار
النعاس هارباً إلى رحابة الصحراء، وانفتحت العيون على أقصى اتساع لها متحفزة
للمشاهدة. الشباب في الخلف يتابعون الشاشة الخلفية. نظر عبد الله إلى فاطمة
مبتسماً، بعد ما تأكد أنها قرأت اسم الفيلم أيضا، فنكست رأسها في خفر وهي تبتسم.
كانت فاطمة وعبد الله قد تعارفا خلال الساعات
المنصرمة.. تفاهما وانسجما. فاطمة التي كانت تزور أقاربها على أمل أن تظفر بعريس
يعيش في القاهرة. وعبد الله الذي أنهى دراسته الجامعية، ويأمل أن يوافق أهله في
الواحة على مشروع استقراره في القاهرة. تحدثا كثيراً واتفقا في أشياء كثيرة. كانت
فاطمة تشعر بنوع من القلق حيال جسدها الممتلئ، لكن عبد الله أخبرها أن لها وجهاً
ملائكياً لا يُنسى، كما أنه نجح في أن ينقل إليها إعجابه الشديد بطيبتها وأصالة
جوهرها. أما هي فقد طارت فرحاً، وتمنت لو أن ليس للحافلة سقفاً لاستطاعت الآن أن
تنظر إلى نجوم السماء كما يحلو لها. كان عبد الله ينظر إليها ويبتسم وهو يفرك يديه
بين الحين والآخر، بينما يتصاعد "تِتْر" الفيلم حاملاً أسماء الأبطال،
وأسماء كل من شارك في الفيلم، ولم يكن ينقصه سوى اسم عامل البوفيه الذي قدم
المشروبات للممثلين.. أسماء لا نهائية لوظائف لا نهائية شاركت في إعداد الفيلم.
كان حلمي نائماً.. منتظم الأنفاس، لكنه استيقظ
عندما ابتدأت أحداث الفيلم.. كان يفتح عينيه بصعوبة، ثم ترتخي أهدابه رغماً عنه
وكأن أطرافهما قد شُدت إلى ثقل حديدي يجذبهما لأسفل.
كادت هناء أيضاً أن تصفق عندما لمحت اسم الفيلم
المعروض على الشاشة. لقد رأته قبل ذلك مرات، لكن سيكون لهذه المرة طعماً آخر، فقد
التقط إبراهيم الطُعْمَ طواعية.. الأجمل من ذلك إنها تعرف أنه يعرف.. كلاهما على علم
بما يدور في خلد الآخر.. كلاهما سعيد بما سيؤول إليه الوضع إن سارت الأمور كما
أرادا... انقضى ما يقرب من نصف الساعة منذ أن دارت عجلة الفيلم العاطفي، وابتدأت
طلائع المشاهد المثيرة والقُبلات تتوالى. الصمت يسيطر على فضاء الحافلة لا يخترقه
سوى حرف " السين " الذي يمرق من المقاعد الأمامية، من بين شفاه الشابين
ذوي اللحى، فقد كانت شفاههما تمتم بالاستغفار، منذ أن صمت القارئ، وصدحت الموسيقى.
مال أحدهما
على الآخر هامساً له ببضع كلمات، فقام من مقعده في الحال متجهاً ناحية السائق..
انحنى مستنداً بكفيه على ركبتيه ثم ألقى في أذن السائق كلمات، كان الأخير يهز رأسه
خلالها مبدياً موافقته، مما حدا بالشاب أن يربت في نهاية كلماته على كتف السائق ثم
يعتدل مواجهاً الركاب.. وقف مبتسماً، واضعاً يديه فوق بعضهما كمن يصلي.. حمد الله
وأثنى عليه، وصلى على آخر أنبيائه، وخاطب جمع الركاب بلفظة " أحبابي " التي
كان لا ينفك يقولها بين كل عبارتين من كلامه الذي أوضح فيه أهمية وأجر حُسن
استغلال وقت الفراغ، وعدم تضييعه فيما يغضب الله. أصغى جميع الركاب ولم يعلق أحد.
صمت الشاب لحظة، بينما رأسه التي تعترض الشاشة تسد مجال الرؤية على كثيرين،
وأخبرهم في النهاية أنه سيقوم- بعد موافقتهم- بإغلاق الجهاز، وأنه سيضع في المُسجل
شريط كاسيت رائع، سيعجبهم بالتأكيد، وإن لم يعجبهم فلهم مطلق الحرية فيما يريدون
مشاهدته أو الاستماع إليه. هز معظم الركاب رؤوسهم مؤمنين على كلامه، بينما نطقها
بعضهم صراحة.. وقد كان للشيخ ما أراد.
كان صوت الواعظ رائقاً وندياً، وهو يبشر
المؤمنين بالجنة ويُسهب في وصفها. مدد معظم الركاب أقدامهم، وأسندوا رؤوسهم على
مساند المقاعد، وراح أكثرهم في نوم عميق إلا من دارت برأسه الفكر، أو من خطط وانتظر،
لاقتناص مثل هذا الهدوء.
لم يغمض لجميلة جفن منذ أن دارت إطارات الحافلة
على الطريق. ظلت أفكارها تتخبط ما بين القاهرة والواحة. لكن والدها لم يكن يستفِق
إلا لحيظات يعود بعدها إلى نومه... في زيارتها الأخيرة للواحة شعرت أنها خرجت من
قمقم صغير إلى فضاء فسيح، تنفست بعمق لأول مرة في حياتها، صعدت مع ابنة عمها على
الكثيب الرملي القريب من البيت، شاهدت قرص الشمس الأحمر الكبير وهو يهبط تدريجياً
خلف حافة الجبل الغربي.. كادت قسوة الحياة في القاهرة تقتل في نفسها مكامن الجمال
والتأمل. والدها الذي يأكل العمل في المطعم أغلب وقته كان يقول: القاهرة امرأة
لعوب لا تعرف الخجل، مهرة جامحة صعبة المراس. يخرج إلى عمله في الصباح الباكر، ولا
يعود إلا في الرابعة عصراً. يعود مجهداً، حانقاً ، مختنقاً، وما إن يترك جسده على
أول مقعد يقابله حتى يزفر قائلاً :" ما الذي أتى بي من البلد؟ "، وبرغم
ذلك يحبها، ألم يقامر بوجوده بين أصدقائه وأقربائه في الواحة من أجلها ؟
إنها الغواية
الكبرى، والفخ الذي لم ينجُ منه أحد. في الشوارع الداخلية أنهار من البشر لا تنقطع
عن الجريان، وفى طُرقها أفواج لا نهاية لها من المركبات والدخان والضجيج، وتلال من
الاحتيال واللصوصية، إلا أنها برغم كل ذلك مدينة راسخة ذات حضارة وثقافة، يضربان
بجذورهما في أعماق الزمان. والدها الذي تعودت أن تراه وهو يتصفح كتبه القديمة كان
يقول: " القاهرة مدينة الله.. ومدينة الشيطان ". كثيراً ما كان يلقي على
مسامعها عبارات تكاد لا تفهمها، لكنها تعرف أنها مدينة التناقضات. تلك المدينة
التي وُلدت فيها لم تكن مسقط رأس والدها، فهو لم ينس يوماً أنه قادمُ من الصحراء،
بلاد الخير والحُب كما كان يقول. كان كلما ضايقته المدينة في أمر – وكثيراً ما
يحدث – تهرب ذاكرته نحو بلدته التي دائماً ما ترجح كفتها لديه. كان كثيرا ما يضحك
وإذا ما ضحك تخرج ضحكته باهتة غامضة. لم تستطع أويقاته المفرحة أن تنتصر على
عذاباته اليومية أبداً.
الإنسان في
القاهرة ترس صغير في آلة ضخمة، إذا ما توقف يوماً عن الدوران فإنها النهاية ..
سيُقذف به بعيداً، ليحل محله ترس لم تتحطم أسنانه بعد، ترس أشد بأساً يستطيع أن
يستمر في الطحن دون أن يتوقف ليسأل.. هكذا ترسل القاهرة أبناءها العجزة إلى سلة
القمامة، دونما شفقةٍ أو اعترافٍ بالجميل.
والدها الذي
هجر قريته الصغيرة قبل أن يتزوج كان يزورها في كل عامين مرة. يمكث خلال زيارته
ثلاثة أو أربعة أيام، فيجتمع إليه الصحب والأهل والأخوان، يتلقفونه فيما بينهم.
يقضي أيامه المعدودة في قريته في خضم ولائم لا تنتهي. الكل يريد أن يحتفي به. كانت
أوقاته لا تتسع إلا للولائم والتنقل من بيت لبيت. هو الأخ الأصغر لوالد مُسن وأم
متوفاة. تلقى حلمي تعليماً متوسطاً، لكنه كان شغوفاً بالقراءة منذ صغره. سافر بعد
أداء الخدمة العسكرية ليبحث عن عمل في القاهرة ." كان والده عبدون " يرى
أنه لن يعمَّر في الغربة طويلاً لأنه " ابن بيت " كما كان يقول دائماً.
لكن حلمي خالف كل التوقعات، وقضى عاماً كاملاً عاد بعده شخصاً آخر، لا يقتنع بحديث
ولا يعتد إلا برأيه. أكوام الخجل التي كانت تقيد حركته في الشارع، تحولت إلى جبال
عالية من الجرأة، وحضور الذهن .
جد جميلة
الذي لم تره إلا مرتين، آخرهما وهي في الحادية عشرة من عمرها، يحب والدها حباً
جماً. عندما فاجأه المرض كان ابنه بعيدا، وكان كلما أفاق يهمس باسم ابنه "
حلمي ... حلمي " لكن حلمي لم يسمع، ولم ينتبه. ظل في لهاثه الأبدي في سبيل
لقمة العيش. إن والده يحبه ويشتاق إليه، بينما عرق الابن لا يكاد يجف في مدينة
الغواية الكبرى. لا يدري حلمي على وجه التحديد لم أسَرَتهّ القاهرة، وملكت شغاف
قلبه؟ نزل في خضم مائها مختاراً دون أن يفطن إلى عمق القاع. وعندما فطن أخيراً كان
التيار قد سحبه دون إرادته. ألقاه في دوامة كبيرة، لينزلق للأسفل ببطء، إلى مناطق
لزجة لم يعتد السير فيها.
سار في
ممرات ضيقة مظلمة تعوي فيها الكلاب. بكى كثيراً، وجرفه الحنين إلى أنس الصُحبة
والأهل، إلى طلوع النخل وجرَّ البهائم إلى الحقول. خنقته رائحة عرق الأجساد وقيود
الحذاء، فاشتاق إلى لحظة واحدة يسير فيها حافياً على الرمال، يملأ رئتيه من هواء
الجبل النقي، يغني فيتردد صدى صوته بين الأشجار. كان يتمنى لحظة واحدة ينظر فيها
إلى الوجوه الطيبة المبتسمة على الدوام، يعانق فيها أخيه " محمود " الذي
لا تفارقه ضحكته الحنون .. كادت قسوة المدينة أن تقضي عليه، لولا أنه تشبث
بإرادته، بذراعيه القويتين .. لقد ثابر حتى شق لنفسه ممراً صغيراً أستطاع أن يتنفس
من خلاله، أن يلمح ضوءاً خفيفا يداعب في استحياء حدقتي عينيه. ولما اتضحت له معالم
الطريق رآها.. كانت هي، من بين آلاف الفتيات اللاتي مررن به، تقف كشجرة وارفة
الظلال في عمق هجير الصحراء.
***
كان يغمره
فرح غريب عندما تهل بوجهها الصبوح.. تأتي كل صباح.. تدخل المطعم الذي كان يعمل فيه
آنذاك، بعد أن ترك العمل مع المعلم سمير، ابن واحته.. تدخل، فتدخل معها رائحتها العطرة،
ملفوفة في ملاءتها السوداء، تقول" صباح الخير".. تقولها هامسة لكن
الجميع يسمعونها رغم ضجيج " الحجر" الذي تطحن فيه خلطة "
الطعمية"، الفول المقشور والمقدونس والبهارات.. يردون في اهتمام: " صباح
الخير يا أستاذة".. تقف ولا تتكلم.. يأتيها " الفول والفلافل والخبز
الناضج والمخللات" وهي واقفة مكانها أو جالسة في أقرب مقعد، حتى يتم الانتهاء
من تجهيز المطلوب اليومي.
لاحظ حلمي أنها لا تدفع نقوداً مقابل ما تأخذ.
فقط، تمد يدها لتتناول الكيس.. ترمق حلمي بنظرة ثم تمضي.. عيناها سوداوان واسعتان،
ذات أهداب طويلة.. تمد يدها فتنحسر الملاءة ليظهر نصف ذراعها البضة، وتظهر ثلاثة
أساور ذهبية تحيط بمعصمها البهي. استمرت على تلك الحال ما يقرب من شهر كامل، وهو
لا يعرف لها اسماً ولا يدري لماذا يتواطأ معها العاملون في المطعم، فيعفونها من
دفع الحساب. كان قد قرر أن يخبر المعلم "مخلوف" بذلك الأمر، لكنه في كل
مرة يتراجع كي لا يتسبب في قطع معايش الناس.
يأتي المعلم "مخلوف"
صاحب المطعم بعد أن تنصرف تلك الفتاة بما يقرب من نصف الساعة. يرتدي كل يوم جلباب
أبيض مكوي بعناية وحذاءً لامعاً. يجلس على مقعده المخصص إلى جوار الباب، يراقب
العمل ويعطي بعض الأوامر، وما إن يلمحه صبي المقهى حتى يأتي مسرعاً حاملاً
النارجيلة بين يديه. يضعها أمامه ثم يقول وهو ينصرف: " صباح الفل يا معلم،
الشاي جاي حالاً". يومئ المعلم برأسه ولا يتكلم، هو بالفعل رجل طيب، قليل
الكلام، أحبه حلمي من أول لقاء لهما.. رأى فيه طيبة قلب والده وسماحة وجهه.
بدأت تلك الفتاة تشغل تفكيره بالفعل.. هدوءها،
ملاحة وجهها، صفاء عينيها الواسعتين، قوامها الرشيق، طريقة مشيتها، التفاتتها،
صوتها الناعم.. كل ذلك كان يجذبه إليها.. ينتظرها كل صباح بفراغ صبر، حتى إذا ما
أتت تهللت أساريره وازداد نشاطاً في عمله. ما إن يراها حتى يشعر أنه يستطيع أن يهد
الجبل بضربة من قبضته.
كانت نجلاء
في ذلك الوقت قد استطاعت أن تتعرف على مكان عمله الجديد، بعد أن سألت عنه رب عمله
الأول فأخبرها أن يعمل الآن في مطعم بالشارع الجديد. جاءته ذات يوم وهي تخطر في
مشيتها.. تنظر إليه، والشبق الذي يفور في نظرتها يفضحها، ويلقى عليه عاراً لا
يحتمله بين زملائه. إن زملاءه يحترمونه ويحبونه، ولن يسمح أن تتسبب لبؤة كتلك في
حرمانه من عمله الذي أحبه.. لا يريد سوى قليلاً من الطمأنينة والسلام الداخلي، فقد
كره الخروج والفسحة ودور السينما.. كره نجلاء التي لا تسعى إلا وراء المال ومصاحبة
الفتيان... أخذها من يدها وانعطف نحو المخزن في الحارة الملاصقة للمطعم، وأفهمها
أن يسعى من أجل والده وأسرته، ولم يعد لديه وقتاً يضيعه في تلك التفاهات.. يومها
أفلتت الملاءة فأصبحت شبه عارية أمامه.. شعر أنها تسعى نحو فضيحة كي تضعه أمام
الأمر الواقع.. تركها في المخزن وفر هارباً، لكنها ظلت تطارده حتى تأكدت أنه
سيتزوج.
كان وقتها قد تعلق بتلك الفتاة التي دخلت عليه المخزن
ذات يوم وهي ترفل في زينتها. السكين في يده، يقشر البطاطس ويغسلها.. يقطعها أصابع
ويجهزها للقلي:
-
احذر كي لا تقطع
أصابعك. قالت
نظر إليها مندهشاً لجرأتها في الدخول إلى المخزن بتلك
الطريقة.. كانت تقف ملفوفة في ملاءتها السوداء، يحدد الكحل عينيها فيزيد بهاء
وجهها بهاءً.. موقن أنه يعشقها مثل ما هو موقن تماماً أنها تبادله نفس المشاعر،
لكنه كلما حاول النظر في عينيها ارتبك، وانعدم الهواء من حوله فكاد يختنق.. لم
يكلمها ولو لمرة واحدة طوال الشهر المنصرم.. يمكن لنظرة واحدة أن تترجم كلاماً
كثيرا، نظر في عينيها مباشرة وهو يقول :
- مرحباً، أي خدمة؟
-
أبي يريدك أن
تأتي معي إلى البيت في الحال.
-
مَن.. أنا..
لماذا؟ .. والدك ؟.. مَن والدك؟ ضحكت ضحكة رائعة وهي تجيب:
-
من غير المعقول
أنك لا تعرفه!! والدي.. والدي المعلم مخلوف يا حلمي.
لم يكن يعرف بالفعل أن صاحب المطعم هو والد ذلك القمر
المنير، فأسقط في يده وهب واقفاً يحاول أن يتكلم.. يفتح فمه لكن الكلام لا
يطاوعه.
- ...............
-
ما بك يا حلمي؟
هل أكلت القطة لسانك؟ أنطق أيها الحجر الأصم. قالت بدلال.
-
هل أتجرأ وأسألك
سؤالاً؟ قال أخيراً.
-
تتجرأ؟ اسأل ما
تريد، في أي وقت تريد.
-
ما اسمك؟
-
هل يحتاج هذا
السؤال إلى جرأة؟ قالت ضاحكة ثم تابعت: " اسمي يسرية".. هل يعجبك أم
أغيره؟
-
اسمك جميل
بالطبع. قال وهو وينظر في الأرض، ثم وهو يهمس:" مثل كل شيء فيكِ".
لا يدري لماذا قال ذلك، أو كيف قاله وخشي أن تثور
وتعنفه، لكنه رأى ثغرها الوردي يبتسم:
-
مرحى، مرحى..
حلمي يستطيع الكلام.. هيا اتبعني.
كانت نبرات صوتها تحمل فرحاً عظيماً... مشى
خلفها كالنائم الذي يحلم. قطعت شارع بولاق الجديد بالعرض، ثم دخلت إلى حارة ظليلة
مسدودة في نهايتها، وهو يتأمل مشيتها التي ازدادت إثارة. كان كعب حذائها الجلدي
يرن على بلاط الحارة القديم، بينما ترتج مؤخرتها المثالية تحت الملاءة السوداء.
مشت بضع خطوات أخرى ثم أشارت بإصبعها لأعلى دون أن تلتفت خلفها: " هذا
بيتنا". قالت ذلك ثم دلفت إلى مدخل البناية. واضح أنها بناية قديمة لكن
المدخل الواسع والسقف المرتفع ينبئان عن متانتها. في آخر المدخل، وقبل أن تضع
قدمها على أول درجات السلم التفتت إليه قائلة:
-
اخبرني الآن
-
ماذا يا أستاذة؟
-
لا تدعوني
بالأستاذة وإلا لن أكلمك ثانية.
-
آسف حقاً إن كنت
قد أغضبتك.
-
لا تتأسف لي أيضا.
-
حاضر.. ماذا
تريدين الآن؟ قال وهو يأخذ نفساً عميقاً.
-
أريد أن أسألك،
هل قُد قلبك من حجر؟
-
لا، لماذا؟
-
لماذا إذن لا
تشعر بي؟ قالت وهي تنظر في عينيه طويلاً.
طيرته المفاجأة في فضاء المدخل الواسع، لم يكن يصدق
أذنيه.. قفز في الهواء قفزة عالية وهو يصيح بأعلى صوته:
- "
هييييه... هييييه". ثم انتبه إلى أنه ربما أيقظ السكان جميعا.
خجل من ذلك الفعل الصبياني، فوضع إصبعه
السبابة على فمه يقول له اسكت. كانت تدرك مقدار فرحته بما سمعه، رغم أنه لم يقل
شيئاً سوى أنه هلل كالأطفال.. اقتربت منه قليلاً ثم قالت بدلال بالغ:
-
ألهذه الدرجة
تحبني؟
-
منذ الوهلة
الأولى وأنا أهيم بك عشقاً.
-
ولماذا لم تنطق
أيها الحائط؟
قالت ذلك وهي تضربه بقبضتها الرقيقة على صدره
الواسع، فضمها بين ذراعيه بحنو أب.
-
لا تتركني أبداً
يا حلمي. أقسم لك أنك أول رجل يلمس يدي، بخلاف أبي وأخوتي.
-
أصدقك.
سحبته من يده ومشت أمامه.. صعدت بضع درجات، ثم توقفت
فجأة وهي تستدير إليه:
-
انتظر.. أنسيتني
أن أحضر معي طعام الإفطار.
-
أنا سأذهب
لإحضاره وأعود سريعاً.
-
لا، انتظر أنت
هنا، سأذهب أنا.
هبطت عدة درجات وهو يتبعها كظلها غير مصدق لما حدث منذ
قليل. يكاد قلبه يخرج من بين جنبيه. لمحته يتبعها فأشارت له أن انتظر هنا. وقف
مكانه يتابعها من الخلف وهو يترنم :
" وربنا المعبود
أجمل م البيض والسود
أم ملاية سمرا
ملفوفة في أجمل عود"
عادت بعد لحظات وعندما أصبحت بمحاذاته اختطفها بين
أحضانه، ثم أشبع شفتيها تقبيلا، وهي تشير إليه لأعلى خشية أن يراهم أحد فسألها:
-
حقاً، ماذا يريد
المعلم؟
-
يريدك أن تأخذ
جوالاً من الفول - وأشارت إلى باب مغلق في أحد جوانب المدخل- وتذهب به إلى
المخزن.. قال أبي إنك الوحيد في المطعم القادر على حمله إلى هناك.. هل تستطيع أن
تحمله أم أنك سوف تخذلني؟
-
بعون الله
أحمله، وأحملك فوقه. قال وهو يهز قبضتيه في الهواء.
-
حسناً، اتبعني
يا عنتر.
-
18 –
كان دوي
المحرك رتيباً منتظماً، كانتظام أنفاس الركاب النائمين.. بعضهم يغط غطيطاً واضحاً
كأنه في حجرة نومه. كان حلمي مستغرقاً في نومه، وجميلة جمعت أطراف الستارة. وضعتها
خلف رأسها واستندت إلى زجاج النافذة، مولية وجهها ناحية المقعدين المواجهين لها.
إبراهيم وهناء
كانا موقنين أنه لم يعد هناك من مستيقظ سوى السائق. وعليهما أن يستمتعا بوقتهما معاً..
كانت المقدمات التي أبداها كل منهما تجاه الآخر قد انتهت منذ وقت كافٍ. لذا كان
يتحتم على إبراهيم أن يتخذ خطوة عملية تترجم كل ما قالاه أو لمحا به لبعضهما طوال
الساعات الماضية، ورأت هناء أنها يجب أن تهيأ له الأمر، فتهيأت... فَرَدَت الشال
الواسع على صدرها، ثم أسدلت ما تبقى منه على ركبتيها.. حدق فيها إبراهيم طويلاً..
كانت تبدو نائمة كطفلة بريئة بجانب النافذة، رأسها مستلق على ستارة النافذة، وقد
انفكت عقدة "الإيشارب" فهبط كحمامة على كتفيها تاركاً لشعرها الأسود
الطويل حرية التجول ما بين ظهرها والمقعد. ذراعها اليمنى الطويلة تتحرك تحت الشال
كيفما اتفق، فتصل إلى ركبتيه أحياناً أو تقبض على فخذه أحياناً أخرى.. مالت ناحيته
حتى استندت تماماً على كتفه، فبادلها الحيلة بالحيلة. أغمض جفنيه ثم سحب الشال
قليلاً ليغطي ركبتيه أيضاً، تاركاً يده اليسرى تتمشى بين تضاريسها، فتصعد هضاباً
وتهبط إلى أخاديد دافئة.
تجلس جميلة
ساكنة منتظمة الأنفاس كأنها نائمة، أما هناء فقد تسارعت أنفاسها وازدادت حركتها.
لقد فهمت الآن فائدة الشال الذي كانت تلقيه هناء على كتفيها. إنها تتخذه ساتراً
لما تفعله. رغم أنه لم يمنع جميلة أن تلاحظ حركة ذراعيهما التي كانت تتخذ في كثير
من الأحيان علامة (×). ذراعه تمتد باتجاه كنزها المخبوء وذراعها تمتد بالعكس. لم
يكن يبدو على ملامح وجهها شيء مغاير، إلا أن حركات جسدها كانت تترجم كل ما يتم في
الخفاء. هذا على اعتبار أنها نائمة، فالنائم غير مؤاخذ على ما يفعل(...) ثم إن
الحوار بينهما كان قد تطرق إلى مثل تلك الأمور، قبل أن يتخذا وضع النائمين. حكى
لها عن بعض مغامراته في الأتوبيسات، ربما ليهيئها لما سيقدم عليه.
كان
بالفعل قد قضى سنوات يستقل أتوبيس الهيئة العامة للنقل، وكان يصل إلى
محطته غاصاً بالركاب على الدوام ، فيصبح محظوظاً من يستطيع الوقوف على قدميه في
الممر الضيق بين المقاعد . كان يركب نفس الأتوبيس يومياً، لذا كان يحفظه جيداً. يعرف
أماكن المقاعد السليمة والمقاعد التي تحطمت من كثرة الاستعمال وخرجت أحشائها.. يعرف
أيضا علي أي جهة يقع الزجاج المكسور، الذي يسرب الهواء المنعش في الصيف، والبرودة
التي لا تطاق إذا دخل الشتاء... يقف الآن في المقدمة. عيناه تدوران في كل اتجاه
مثل لص مبتدئ.. كان شتاء والبرد شديد، ولكن تلاحم الأجساد والأنفاس غبَّش زجاج
النوافذ، وجعل الحافلة كتلة من الدفء. يشق الزحام في صعوبة شديدة حين لمحها تصعد
من الباب الأمامي، لا تبعد عنه كثيراً، اضطر أن يدهس كل الأحذية التي تعترض
أقدامه. كان يريد فقط أن يشم رائحة عطرها التي علقت في الجو فور صعودها. انتصر
أخيراً على الزحمة واقتنص المسافة إليها .. يقف الآن وراءها تماماً، يكاد يسمع
دقات قلبه المتسارعة . التفتت نصف
التفاتة
ثم ابتسمت.. أومأ برأسه وهو يبتسم.. دقيقة مرت.. دقيقتان مرتا، وهو يرى أفواهاً
تتحرك ولا يسمع كلاماً. طغى وجودها فانعدم الوجود من حوله، وحدثت الزلزلة حين
اتخذت في جرأة – لم يعتد عليها – نصف خطوة للوراء، فدخلت مؤخرتها الرجراجة في لحم
جسده.. لأول مرة يلمس جسداً لين الأعطاف، كان جسدها غض كشجرة نبتت على مجرى
الماء.. حاول أن يتملص إلى الوراء لكن الزحام أضاع محاولته.. دقيقة مرت..
دقيقتان...
كانت
اختلاجاته تنمو داخله مثل نبات متسلق يجاهد للوصول إلى الضوء.. لم يفق إلا حين
انسحبت من أمامه كي تنزل. أدرك بعد أن نزلت في محطتها أن أموراً كثيرة حدثت خلال
تلك اللحظات.
فتحت النائمة عينيها أخيراً وابتدأت تقبض على
يديه دونما خجل.. تأخذها إلى المكان الذي تحب أن يكتشفه من جسدها.. اعتدل قليلاً
ثم بدأ يهمس في أذنها متخذاً للمرة الأولى وضع القائد. كان يحركها بين يديه مثل
دمية بين يدي طفل..
كان السائق يتابع الموقف من خلال المرآة
الكبيرة المثبتة أمامه، وقد شك منذ البداية أن هناك ما يريب، وعندما فاض به الكيل
أطلق بوق الحافلة عدة مرات، وهو يخفف من سرعته قائلا: " ارحموا أنفسكم قليلاً
يا بشر، نحن نسير على إطارات مملوءة بالهواء.. ربنا يسترها معنا".. ما هي إلا
لحظات قليلة حتى غمرت الركاب إضاءة باهرة غشت عيني إبراهيم وهناء فأغمضا جفنيهما
للحظة، بينما اخترقت أجفان النائمين فاعتدلوا يحاولون فتح أعينهم.. استقام
العاشقان وعَدَّلَا من أوضاع ملابسهما، بينما كَفّ عبد الله وفاطمة عن الهمس في
الخلف، وكَفَّت مليحة وحنين الجالستان خلفهما عن متابعة حديثهما الذي أخذ منحى
عاطفياً جاداً.
***
كانت الساعة
قد بلغت الثانية صباحاً عندما صاح السائق وهو ينعطف في طريق جانبي غير معبد على
يمين الطريق الرئيسي: " سنأخذ استراحة لمدة ثلث ساعة، لمن يريد أن يشرب
شاياً، أو يدخل دورة المياه". أخيراً هدأ دوي المحرك حتى سكن تماماً، وفُتح
الباب الأمامي. نهض الركاب يفركون أعينهم من آثار النوم ويتثاءبون. صاح أحدهم من
الخلف " الباب الخلفي يا عم علي". زفر السائق مستجيباً: " حاضر يا
إخواننا.. الصبر" ثم فتح الباب وابتدأ الركاب الذين التقطوا أكياس الطعام
الخاصة بهم من الأرفف العلوية ينزلون في كسل وهم شبه نيام. تبدو الاستراحة من بُعد
مثل سفينة فضاء، غارقة في ظلمة الكون الفسيح، أو مثل فانوس صغير ساكن عند رأس
الحقل في ليلة ظلماء، حيث تلفها من الخارج
أضواء ملونة، إضافة إلى الأضواء الداخلية المبهرة.. كل تلك الأضواء لم تفلح في قهر
ظلمة الصحراء المحيطة بالمبني.
تبعثر الركاب
في الداخل.. سأل بعضهم عن مكان دورات المياه، أما الذين خبروا السفر واعتادوا تلك
الاستراحة فقد اتجهوا ناحية الدورات مباشرة. توجد دورة مياه صغيرة بجوار الباب
الخلفي في الحافلة لكنها معطلة على الدوام.. اضطر السائق أن يقف مرتين على طريق
السفر، نزولاً على رغبات بعض الركاب الملحَّة. ما إن وقف الأتوبيس في المرتين حتى
قفزوا مهرولين لعشرات الخطوات في عمق الصحراء، وهم يعالجون ملابسهم في عجلة أثناء
الجري، وما إن اطمئنوا أنهم في منأى عن الأعين حتى أفرغوا مثاناتهم التي كادت أن
تنفجر.
اتجه السائق
ناحية المطعم مباشرة. وقف الموظف القابع خلف دُرج النقود عندما لمحه، صافحه وشد
على يده قائلاً : " مرحباً يا عم علي"، وأشار له ناحية إحدى المناضد
فجلس ينتظر الطعام.. بالطبع لن يدفع مقابله مليماً واحدا، فالاستراحات كثيرة على
الطريق، ومن حقه ألا يقف إلا في الاستراحة التي يراها مناسبة، لذا سيأكل كما يحلو
له، ثم يشرب كل المشروبات التي يفضلها، نظير وقفته في هذا المكان دون غيره(...)
يتصدر
الاستراحة بهو واسع مفتوح على الخلاء من جهاته الثلاث، تحمل سقفَه- المصنوع من
ألواح خشبية قديمة- أعمدة أسمنتية بهت لونها بتأثير الرياح، بينما نبتت بضع شجيرات
صغيرة في صف منتظم أمام المبنى، وقد جلس كل تراب الصحراء على أوراقها واستراح. رُصَّت
في ذلك البهو مقاعد عديدة حول مناضد صغيرة عارية من المفارش، وقد تناثرت فوقها
أكواب شاي وزجاجات فارغة، ومنافض بها أعقاب سجائر في الرمق الأخير.. من الواضح أن
حافلة ما قد غادرت المكان منذ لحظات قليلة.
اتجه الركاب إلى صالة المطعم فرادى وزرافات. جاء
بعضهم حاملاً طعامه الخاص، بينما طلب آخرون طعاماً ساخناً.. اعتاد حلمي ألا يأكل في السفر، لكنه دخل هذه
المرة صالة الطعام من أجل ابنته. اختار ركنا قصيا وجلس قبالتها، بينما جلس الشباب
والفتيات، الذين لم يتعرفوا إلا في الحافلة، مَثنى مَثنى : هناء وإبراهيم اتخذا
طاولة صغيرة في مدخل الاستراحة على مرأى من الجميع!! بينما جلس عبد الله وفاطمة
بالقرب من منضدة السائق وتابعه، واتخذت الطالبتان الجامعيتان مليحة وحنين منضدة
بالقرب من جميلة ووالدها، وجلس آخرون بطريقة عشوائية في المناطق التي ظلت فارغة،
أما الشابان ذوي اللحى النابتة حديثاً فلم يقتربا من المطعم أصلاً.. دخلا دورة
المياه ثم غابا عن الأعين طوال فترة الاستراحة، واتخذ الشاب صاحب الكتاب مقعداً في
البهو الفسيح وطلب شاياً، ثم انكفأ على كتابه السميك.
كانت مليحة
تجلس في مواجه جميلة على المنضدة القريبة منها.. ترفع يدها بالتحية كلما التقت
أعينهما.. تنظر إليها وتبتسم بين الحين والآخر.. مالت الفتاة نحو والدها قائلة:
-
أبي،
تلك الفتاة تقول أنها تعرفك.
-
أي
فتاة؟
- تلك التي تجلس خلفك مباشرة. استدار للخلف، نظر إليها
فابتسمت وهي تحييه، فأشار لها وهو يسأل ابنته:
-
ماذا
قالت لك بالضبط؟
-
تقول
أنها حفيدة رجل ينعتونه في القرية بحكيم الزمان.
-
ما
اسمها؟
-
مليحة.
-
أعرفها
بالطبع. إنه حفيدة عمك حسين.
-
أريد
أن أدعوها كي تجلس معنا.
-
بالتأكيد،
كلنا أهل.
قامت جميلة بسرعة، ثم عادت ومعها مليحة وحنين،
وهما يجران خلفهما مقعديهما. جلس أربعتهما وكان على الوالد أن يطلب لهن طعاماً.
ابتدأ العاملون
في المكان يدورون بين المناضد في سرعة ودقة، دون أن يصطدم أحدهم بالآخر.. يفهمون
بعضهم بنظرات الأعين مثل لاعبي فريق واحد، حاملين أطباق الطعام، وأكواب الشاي،
والمشروبات الغازية لزبائنهم الذين سيتركون المكان خالياً بعد دقائق، ليأتي مكانهم
زبائن جدد في حافلة أخرى.. هم يعرفون مواعيد الحافلات بدقة.. ما إن تغادر حافلة
حتى يبدو المكان مهجوراً، ثم ما تلبث حافلة أخرى أن تنعطف يميناً حتى يمتلئ المكان
بالضجيج مرة أخرى.
صالة الطعام
الواسعة نظيفة مقارنة بدورة المياه غير الآدمية، التي لم يستطع المسافرون دخولها
إلا المضطرين منهم.. استدار الكثيرون منهم للخارج فور دخولهم، متخذين من الفضاء
الواسع مكاناً للتبول... كان ضجيج الملاعق والأطباق في الصالة يشتبك مع صوت
العاملين وزبائنهم، مكوناً معزوفة غريبة. إضافة إلى صوت المغني المزعج الذي ينبعث
من السماعات المنتشرة في المكان.
يبدو أن
الركاب جميعهم قد انزعجوا من صوت المغني إلا رجلين كانا قد انهمكا في الطعام الذي
جلباه معهما وأخذا يتحدثان في صوت عال طغى على صوت المغني، مما أطلع جميع الركاب
تقريباً على فحوى حديثهما الذي لم يخرج عن دائرة الزراعة وري الأرض ونقص المياه.
كان حلمي منحنياً ناحية ابنته وهو يتكئ بمرفقيه
على المنضدة، محاولاً أن يسألهن عما يردن أن يأكلنه، عندما تقدم أحدهم ناحيتهم،
حاملاً عدة أطباق في كلتا يديه. وضعها في سرعة، ثم غاب مدة دقيقتين ليعود محملاً
بأطباق أخرى من الطعام.. امتلأت المنضدة باللحوم والخضراوات والمشهيات في دقائق معدودة،
إضافة إلى أربعة زجاجات من مشروب غازي، وزجاجة مياه معدنية كبيرة وأكواب.. حدث كل
ذلك في سرعة غريبة مما أربك الرجل، فهو لم يطلب شيئاً بعد، إنه بالكاد هم بسؤال
ابنته عن نوعية الطعام المفضل لديهن.. نظر إلى ذلك الكم الهائل من الطعام ثم نظر
إلى ابنته فوجدها دهِشة مثله.
حاول أن
يستدعي أحد عمال المكان لكنهم كانوا في وادٍ آخر، يهرولون هنا وهناك وهم في غاية
الانشغال. مد يده في النهاية وقرر أن يأكل، نظر إلى ابنته ثم أشار لها ناحية
الطعام قائلاً:" هيا، بسم الله"، ثم انخرط في الأكل. تأملته لحظة ثم تناولت
لقيمات صغيرة، رجعت بعدها بمقعدها قليلا للخلف وهي تحمد الله. أما زميلتيها فقد
تابعتا الأكل. لم يجبرها على الأكل لأنه يعرف أن معدتها تتعبها أثناء السفر دونما
سبب معروف. لكنه أخبرها أنه سيأكل ما دام الطعام قد وضع أمامه، وأضاف أنه من العيب
أن يطلب من العامل أن يعود بالطعام مرة أخرى، ما داموا لم يطلبوا شيئا بعد.. صمت
قليلاً ثم ابتسم وهو يخبرها أن كل ذلك الخير الذي وُضع أمامهم سببه وجودها معه،
مؤيداً كلامه بالمثل الذي يقول" الخير على قدوم الواردين".
كان المغني المزعج قد خفت صوته، وتسللت إلى
الآذان نغمة رقيقة ظلت تتواثب بين المناضد حيناً وتحلق في فضاء الصالة الواسعة
أحياناً، فهدأت الأنفس القلقة، وخَفَّت جلبة الأواني وضجيج الملاعق... لم يكن مع
عبد الله طعام، لكن فاطمة أقسمت له بكل عزيز وغالٍ أن يشاركها ما معها من الطعام،
فقبل مسروراً شاكراً، أما إبراهيم فكان مضطراً أن يدفع حساب كل ما طلبته هناء من
طعام أو مشروبات بل إنه دفع، على مضض، حساب العصائر، والمقرمشات، والمياه المعدنية
التي اشترتها قبل خروجهما من الاستراحة.
-
الحساب
لو سمحت. زعق حلمي متوجهاً بحديثه لأحدهم، فجاء مهرولاً:
-
أوامرك
يا باشا.
- الأمر لله يا بني. قال، ثم أخرج نقوداً من جيبه ونظر
ناحية الشاب وهو يعبث فيها قائلا: " كم حساب ذلك الطعام، وتلك
المشروبات؟"
-
لا
شيء.
-
شكراً
لك، كم تريد؟ نريد أن نقوم من فضلك.
-
أنت
دفعت الحساب بالفعل يا باشا.
-
يا
بني أنا لست باشا ولا بك كما ترى، ثم إنني لم أدفع حساب ما أكلت بعد.
أشار الشاب ناحية الرجل القابع خلف دُرج النقود
قائلاً:
-
"المعلم" أخبرني أن أضع هذا الطعام أمامكم،
وألا آخذ منك نقوداً، وقال أنك دفعت الحساب مقدماً.
هب حلمي واقفاً وهو يزفر.. قبض على يد الفتى
وجَرَّه ناحية ذلك الرجل.. وقف أمامه، فوقف "المعلم" بيد ممدودة ناحية
حلمي الذي صافحه وهو ما زال يتخبط في حيرته:
-
هل
من الممكن أن أعرف ما الموضوع بالضبط؟
- بالطبع، تفضل بالجلوس. قال الرجل، بينما سحب الشاب
مقعداً فجلس حلمي في مواجهته. كان وجه الرجل يفيض بالطيبة وهو يتحدث:" أريد
أن أسألك سؤالاً في البداية، ألست أنت حلمي؟
-
نعم،
أنا حلمي.
-
ألم
تكن تعمل على عربة فول بشارع السبتية؟
-
تماماً.
-
ألا
تذكر ذلك المُجَنَّد الذي طلب منك يوماً أي شيء يسد به جوعه، مقابل أن يرهن لديك
ساعة يده؟
أسند حلمي ظهره على المقعد، رفع رأسه إلى السقف
ثم ضيَّق من حدقتي عينيه محاولاً التذكر، ظل هكذا للحظات، ثم قال حائرا:
-
لا،
لا أتذكر في الحقيقة.
- الحقيقة يا معلم حلمي أنك أكرمتني، ورفضت يومها أن تأخذ
الساعة، بل وأعطيتني خمسة جنيهات لأستقل القطار إلى بلدتي.
-
ذلك
غير معقول، أأنت هو؟
- أنا هو.. انظر إلي جيداً. قال الرجل، ووقف يشد على يد
حلمي مرة أخرى ثم عانقه وهو يقول: " والله، لقد شَرُفَ المكان بك يا معلم
حلمي"
- الشرف لي.. فعلاً، الدنيا أصغر مما نظن. قال حلمي ذلك
وهو يعصر ذاكرته ربما يتذكر اسم الرجل، لكن دون جدوى. في النهاية صافحه مرة أخرى
مودعاً، بينما جميلة تنظر لوالدها في فرح وفخر.
انتهى السائق وتابعه من طعامهما قبل الجميع،
ثم اتجها للخارج وهما يحاولان تخليص أنيابهما مما علق بها من بقايا الطعام، بعودي
ثقاب كانا بين أصابعهما. وقف صاحب المكان وحياهما قبل أن يتجاوزاه إلى الخارج، وهو
يطلب من للسائق أن يشرفه دائماً برؤيته لأنه صاحب مكان!!
أراد حلمي أن يترك الفتيات لحالهن قليلاً،
فاستأذنهن لدخول الحمام، فجلسن يقلبن أبصارهن في الأُلَّاف الذين فاضت مشاعرهم على
طريق السفر، بعيداً عن رقابة الأهل.. كن يدققن النظر في هناء التي تعتقد أنها ملكة
الجمال العالم ثم يتغامزن، وما إن لمحن فاطمة بمفردها حتى تكاثرن حولها. الخبيثات
لاحظن البشارة على وجهها. وعرفن سر ذلك النور الذي يفيض من عينيها فقررن مشاكستها.
سألتها حنين عن آخر أخبار وليفها فأجابتها قائلة: " اقرصيني في ركبتي وأنا
أقول لك". بادرت جميلة هذه المرة بسؤالها: " شكله حصل يا بنت والا إيه؟
وشك منور وعينيكي بيلمعوا". " آه ، أنا عارفه الأعراض دي". قالت
حنين، فهزت رأسها في خفر وحياء بالإيجاب، وهنا أسرعت مليحة تسأل:" قولي لي هو
قال لك حاجة واضحة؟". وأجابت " يعني، لمح لي إنه بيحبني وعايز يتقدم
لي". " بسرعة كده حبيتوا بعض، وح تتجوزوا؟، إوعي يكون ما طلعش سيرة
الجواز!!" تساءلت مليحة، فأجابتها:" الحاجات دي قسمة ونصيب، بصراحة طلع
إنسان مؤدب ومحترم، حاول يمسك إيدي مرة ولما لقاني زعلت ما كررهاش تاني".
" إوعي تسيبيه يمسك إيدك لأنه لو مسكها حيطلب بعدها حاجة أكبر.. وتبدأ التنازلات"
قالت حنين ناصحة إياها فأجابت:" أنا عارفه كل ده .. أنا قلت له بعد ما نتخطب
رسمي وهو اقتنع بكلامي وكان مبسوط كمان".
نظرت جميلة
ناحية إبراهيم وهناء كانا يتهامسان بينما يأكلان، ثم التفتت ناحية فاطمة، وكان عبد
الله قد ظهر من الناحية اليسرى قادما من ناحية الحمامات، فتركنها واتجهن للخارج.
سمع الركاب
المنتشرين بين ربوع الاستراحة صوت بوق الأتوبيس.. صفارات طويلة متقطعة النهايات.
ضغط السائق على دواسة البنزين فصاح المحرك كصيحة محارب يستعد للهجوم، وبث دخانا
كثيفاً له رائحة نفاذة. جمع الركاب أشياءهم، والتقطوا ما اشتروه من أغراض، ثم
انصرفوا تاركين رائحتهم على المناضد.. بقايا الشاي الدافئ في الأكواب، أعقاب
السجائر التي تركوها في المنافض ما زالت تقاوم الانطفاء، فتنبعث منها خيوطاً واهنة
من الدخان.
كانت الساعة
تعلن عن الثانية والنصف صباحاً عندما اتخذ السائق موضعه على عجلة القيادة، بعد أن
اطمئن الركاب في أماكنهم. نظر في المرآة الكبيرة أمامه ثم سأل بصوت عال: "
فيه حد ما جاش؟"، ولما لم يسمع رداً أغلق الأبواب واستدار يساراً في بطء حتى
أصبح على طريق السفر.
خَفَّفَ السائق من الإضاءة الداخلية وضغط زر المُبرد
فانبعث الهواء البارد الذي سيطر بعد دقائق قليلة على أجساد الركاب فارتخت مستسلمة
للنعاس.
أزاحت جميلة
مسند مقعدها للخلف قليلاً، جمعت ستارة النافذة، ثم وضعتها أسفل رأسها وحاولت أن
تنام. المعضلة الكبرى أنها- حتى على فراشها- تنام نوماً قلقاً متقطعاً. أغمضت
جفنيها عنوة لكن أضواء السقف البرتقالية كانت تخترقهما، بينما كان مدخل مدرستها
الواسع يمثل أمام ناظريها.
- 19 -
كانت
الساعة تقترب من السابعة والربع عندما وقفت أمام البوابة الرئيسية. قررت اليوم أن
تدخل من هذا المكان، تحديداً من هنا. لديها رغبة جامحة في كسر هذا الروتين، ذلك
الحصار الذي يضغط، بكل ما أوتي من قوة، على إرادتها. ستقطع هذا المدخل المزين بطوب
وردي، ستمر تحت ظلال أشجار اللبلاب التي تغطيه، تصعد خمس درجات تؤدي إلى مدخل أوسع
قليلاً. على يمينها تقبع المسئولة عن دفتر الحضور والانصراف خلف مكتبها، وحولها
المدرسون وقد استلوا أقلامهم وجهزوها
للانقضاض، والمدرسات على مقربة منهم ينتظرن التوقيع. كانت الأقلام مشرعة في الهواء،
يقبضون عليها كمحاربين عظماء.
حاولت
الدخول من ذلك الباب الرئيسي من قبل، وكادت أن تنجح لولا ظهور مدرسة التربية
الرياضية التي أحبطت المهمة. كانت قد خطت بضع خطوات للداخل. ظهورها المفاجئ أربكها
قليلاً، لكنها أصرت على المواصلة. كانت حقيبتها الجلدية بُنية اللون تحتك بمؤخرتها
في نعومة بالغة، سحبتها بيمناها للأمام قليلاً ورفعت رأسها في ثقة بينما ضربت صفحة
وجهها نسمة هواء باردة. لقد انتصف شهر فبراير معلناً عن انتهاء المرحلة الأصعب من
فصل الشتاء، البرودة التي تثقب اللحم وتضرب في العظام جمعت أمتعتها الآن وحزمتها
مبشرة بحلول الدفء .
كانت نظراتها الثابتة تمر في خط مستقيم، متجاهلة تلك المُدرسة
التي تقف متوسطة المدخل الواسع، ثم تتناثر هناك – إلى الأمام قليلاً – حيث تنتشر
الطالبات في الفناء في انتظار جرس الصباح .
وكأن هناك حواراً داخلياً خفياً يدور في نفس "
كابتن هبة " مُدرسة التربية الرياضية وجميلة
منذ أن ظهرت معترضة مدخل المدرسة، واضعة يديها في خاصرتها. رأسها التي
ارتفعت لأعلى كاشفة عن ذقـن رفيعة أعلنت التحدي. النظارة الشمسية على عينيها،
والصافرة التي تعتز بها تتدلـى من رقبــتها في شريط أحمر، كوسام اقتنصته في
الأولمبياد.
ظلت كابتن هبة
متابعة من خلف نظارتها السوداء خطوات الفتاة التي تتقدم حثيثاً على بلاط الممر،
الذي تكتنفه خضرة اللبلاب الكثيف. جسدها الملفوف، الجامد كتمثال، يخفي زلزالاً
يريد لو يتفجر. لا تعرف ما الذي يزلزل كيانها بهذا الشكل، إنها حتى لا تكرهها،
ولكنها لا تحبها أيضاً.
تتضخم مشاعر
غضبها المتكدسة داخلها وتفور بينما جميلة تقترب. نظراتها تتفحصها من قمة رأسها إلى
أخمص قدميها: " تحجيبتها" السوداء ذات التطريز المذهب بخطوط طولية
متوازية، وجهها المستدير الممتلئ قليلاً، عيناها البنيتان الواسعتان، فمها الصغير
المتورد، أنفها المفلطح قليلاً وحذاءها الرياضي الوردي، طويل الرقبة الذي يستفزها.
هي تسير في خط مستقيم كأنها قطار لا يحيد عن القضبان، وتشعر أن معركة ستنشب بينهما
في أية لحظة. لم تكن تنظر إليها، ولكنها كانت تلمح وجهها المنحرف ناحيتها. هي
موقنة تماماً أن الثبات شرطاً أساسياً للمرور من الطرق الوعرة. أما مدرستها فقد
كانت تنتظر اللحظة المناسبة حتى تضع حداً للمهزلة، فكانت كلما اقتربت تعض على نواجذها..
تشعر أن جسدها كله قد أصبح حجرة واسعة فارغة يتردد داخلها أصداء صوتيهما:
" لا تضطريني إلى إحراجك أيتها المغرورة "
" لن تستطيعي
"
" لا أريد أن أقسو عليك بالفعل، اغربي عن وجهي
الآن"
" أنتِ بالون مليء بالهواء"
" أتمنى لو أترككِ تمرين لكن مروركِ سيفتح ثقوبا
واسعة في الحائط المنيع الذي بنيته على مدار عامين كاملين" .
" صدقيني .. أحيانا أشفق عليك"
ما إن صارت بمحاذاتها تقريباً حتى انبعث صوتها حادا
:" جميلة " خرجت من فمها حاملة في طواياها كل ما تستوعبه النبرة من
تحذير وتهديد.
وقفت بمحاذاتها.
كانتا تقفان على بلاطتان متوازيتان.. ظهر المعلمة للمبنى الضخم ووجهها للبوابة الخارجية
المشرفة على صف طويل من بنايات قديمة آيلة للسقوط، تنتهي عند بداية شارع " عش
النحلة". جميلة كانت تقف صامتة.. وجهها للداخل باتجاه الدرج الهابط نحو الفناء.
لم تنطق حين زعقت باسمها، ولم تنظر إليها. كانت ساكنة كحجر ملقى في صحراء، صدرها
ناهض، وظهرها مستقيم مثل حرف الألف:
" أين تظنين نفسك ذاهبة؟؟ "
سألتها بنبرة ملؤها الاستهزاء، فاغتاظت وخرج صوتها
محتداً :
" كما ترين يا أستاذة، إلى أرض الطابور ."
حين التفتت إليها أخيراً بنظارتها الشمسية العتيقة كانت
تهز كتفيها كأنها لم تصب جُرماً عظيماً. وكانت المُدرسة تحاول أن تكظم غيظها وهي تقول
:
" وهل هذه البوابة هي طريقكِ المعتاد لأرض الطابور
؟"
ما زالت في وقفتها لا تلتفت :
" لقد عرجت اليوم على شارع "عش النحلة"
أولاً لأشتري أدوات مكتبية، ورأيت أن أدخل من أقرب مدخل يقابلني بدلا من العودة كل
تلك المسافة.. ثم إنني دخلت وانتهى الأمر؛ هذه المرة فقط "
قالت وهي تتنهد محاولة أن تنهي ذلك الموقف الذي جثم على
صدرها وخنق أنفاسها، لكنها قال:
" لا .. لن يحدث، هيا عودي من حيث أتيت."
صوتها كان قاطعاً، منهياً الحديث، كي لا يترك أي مجال
للرد. هي لم تتحرك بل ظلت راسخة في وقفتها.
كان الأستاذ
" عاطف " مدرس الكمبيوتر يقف على مقربة منهما، ويتابع الأحداث من
البداية. يداه اللتان أودعهما جيوب بنطاله لا تخرجان إلا نادراً، وكأنهما قد خُلقتا
هكذا.. مشى باتجاههما ما يقرب من ثلاث خطوات، ثم قال مبتسماً:" ارجعي الآن يا
جميلة، الأستاذة هبة معها الحق، لا ينبغي المرور من هنا، وإلا حاولت كل الطالبات
المرور من هنا أيضا".
استدارت الفتاة للخلف وهي توجه ابتسامتها الواسعة لمدرس
الكمبيوتر، وتهز رأسها موافقة على كلامه :
" حاضر يا أستاذ ". عادت أدراجها وهي تترنم –
بصوت خفيض – بأغنية لمطرب شاب لا تستطيع أن تميز بين ملامحه وملامح الفتيات إلا
إذا دققت النظر. ترى جميلة أنه أندر ظاهرة فنية في عالم الفن!! تحفظ كل أغانيه
تقريباً، وتبذل كل جهد للحصول على أغاني ألبوماته الجديدة.
دخلَتْ أمس
معمل الكمبيوتر مع صديقتها " علياء".. في البداية كانت قد قررت أن تدخل
بمفردها، ولكن خوفها من أن تجد نفسها وحيدة مع الأستاذ عاطف جعلها تتراجع عن
قرارها. لا تدري لماذا جال بخاطرها أنها – رغم طيبته وحنوه المبالغ فيه – يجب أن
تحذر وتحتاط ،لأنها وخلال الأسبوعين الأولين من دخولها تلك المدرسة استطاعت أن
تصنف مدرسيها، ما بين قاس وعطوف ومتأنق ومتكبر وجاد ووسيم ومتدين... تظن أنها
متأكدة من مواهبها تماماً، واثقة في قدرتها على شق الطرق داخل الأنفس والقلوب.
تعرف تماماً متى يحق لها أن تجتاز، ومتى ينبغي عليها أن تحجم.. سمعت ذات يوم مدرس
الفلسفة يقول " إن كل النتائج التي يحققها المرء في حياته تتوقف على مدى
معرفته بالطرق التي يسلكها".
الأستاذ
" سيد" مدرس الفلسفة قدم إلى المدرسة في بداية العام مع ( هوجة)
التعاقدات التي أبرمتها وزارة التربية والتعليم مع هؤلاء المدرسين، تخرج في كلية
الآداب العام الماضي وها هو قد أصبح معلما بعد أن كان متعلما منذ عدة شهور.. هو
شاب وسيم بالفعل، لكن عيبه أنه معتز بوسامته إلى أقصى درجة، برغم أن تصرفاته
مازالت لم ترق إلى تصرفات مدرس ثانوي.. ما زال به شيء من تصرفات طلاب الجامعات.
كان يعتقد أنه سوف يدرس للصف الثالث الثانوي مباشرة، وعندما أوكل إليه الأستاذ
" خليل " – مدرس أول الفلسفة- تدريس المادة للصف الأول امتعض وقال فيما
معناه أن إمكانياته وقدراته العلمية تسمح له بتدريس منهج الصف الثالث، لكن الأستاذ
خليل استطاع أن يحتويه.
دخلت جميلة وصديقتها حجرة الكمبيوتر في فسحة
النشاط. كان المدرس منكفئاً على الجهاز في مكانه المفضل، لا يفصل بين عينيه
والشاشة سوى سنتيمترات. ما إن اجتازتا الباب حتى التفت ناحيتهما قائلاً "
ماذا تريدان ؟ " وأخبره حدسه أن جميلة لابد تريد شيئاً، أما علياء فلا.. لأنه
يعرفها جيداً، فتاة منطوية، هادئة لا تتحدث إلا في أضيق الحدود. قضت العامين
الماضيين في الدراسة وكأنها طيف فتاة، لم تصادق أي من زميلاتها بالمعنى المعروف،
ولم تنضم إلى نشاط بعينه رغم ذكائها وتفوقها.
" من
فضلك يا أستاذ.. أريد أن أسألك سؤالا؟ " ألقت جميلة عبارتها وهي واقفة
مكانها. لا زالتا تقفان عند الباب، يداهما متشابكتان، علياء صامتة تنظر تحت
قدميها، تتنفس بصوت مسموع. يبدو أنها تعاني حساسية ما في رئتيها. أما جميلة فقد
كانت تبعثر نظرات كفراشات الربيع هنا وهناك. لا تستقر نظراتها المتتابعة على مكان
واحد. تتحرك بنشاط زائد وكأن لديها طاقة كامنة لا تتبدد .
" اسألي بسرعة.. فأنا مشغول جدا".
كانت تتوقع تلك
الإجابة التي سمعتها منه من قبل، وتساءلت: " ترى لماذا يتعلل دائماً بانشغاله
؟ ".. كانت تقف مع صديقتها، تنظر في عينيه مباشرة.. وجهها يفيض بِشراً بينما
يغلي مرجل كبير داخلها: " يظن نفسه علاّمة زمانه وهو لا يعرف شيئاً "..
لم يبد حينها على ملامحها سوى البهجة أملاً أن يوافق ذلك البائس على طلبها.
في بداية
العام الدراسي، طلبت منه أن يعلمها كيف تنشئ حساباً لها على موقع (Face Book).
نصحها ألا تشغل نفسها بذلك لأنه مضيعة للوقت. عندما اقتربت هي وصديقتها كان جهازه
مفتوحاً على صفحته الشخصية بذلك الموقع. وهمس الصوت داخلها:" ها أنت تضيع
وقتك الثمين أيضاً ". عندما أشارت بإصبعها إلى صورة ما على صفحته خرج بضغطة
واحدة ثم سألها إن كانت تبغي من وراء إنشاء الصفحة أن تحدث شخصاً محدداً. كان
السؤال واضحاً، والمغزى من ورائه أكثر وضوحاً. أجابت في جملة قصيرة واضحة والجدة
ترتسم على ملامحها " أريد أن أتواصل مع بنت عمي في الواحة ". صمت قليلاً
وظهرت علامات الارتباك على وجهه، بينما حدثتها نفسها " لقد صدقوا فعلاً إذ
قالوا أنك لا تعرف سوى الإمساك بالفأرة وتحريكها هنا وهناك ". كان الأستاذ
عاطف ساكناً لا يبدي حراكاً حين سألته مرة ثانية :" هاه .. ماذا قلت يا أستاذ
؟"، فقال: " بالطبع لديك بريداً إلكترونياً". فأومأت بالإيجاب.
" حسنا راجعيني غدا في فسحة النشاط.. اكتبي فقط
عنوان بريدك الإلكتروني هنا ". أعطاها ورقة صغيرة وقلماً، ثم سألها عن الاسم
الذي تريد الظهور به على ذلك الموقع.. صمت قليلاً ثم أخبرها أن هناك أسماء جذابة
وشاعرية إذا كانت تريد أن يختار لها اسماً مميزاً.
لم تكن تريد سوى اسمها الحقيقي، فقط تريد الوضوح، ولا
تحب أن تسير في أزقة خلفية مظلمة .
وسألته :"
ما الاسم الذي يمكن أن يميزني يا ترى؟"
" مثلاً الجميلة النائمة، أميرة الصمت، أو قمر
الليل.. مثلاً "
وضحكت ضحكة
جلية ثم قالت : " هل ترى أن هذه
الأسماء تشبهني ؟ لا، لا أريد سوى اسمي الحقيقي، جميلة حلمي"
دخل الأستاذ سيد على هدى ضحكتها، وقف لحظة يتأمل الحضور
ثم قال:
" ترى .. ماذا يضحكك بهذا الشكل.. أشركوني معكم
"
علياء التزمت الصمت، وجميلة قالت وهي تجرجر آخر أذيال
الضحكة " اسأل الأستاذ "، وأشارت إلى الأستاذ عاطف الذي قال بلا مبالاة:"
لا شيء مهم " ثم أضاف:" اذهبا الآن، وتعاليا غدا كما اتفقنا ". خرجت
الفتاتان في الحال بينما تقدم فيلسوف المدرسة خطوات ليجلس بجوار زميله.
وفَّى
الأستاذ عاطف بوعده فأعطاها في اليوم التالي ورقة صغيرة، مربعة الشكل، بيضاء ناصعة
مكتوب فيها عنوان بريدها الإلكتروني الذي أعطته إياه وكلمة المرور أسفله بخط منمق
وبقلم أزرق. ثم اسمها أسفلها مكتوب بالقلم الأحمر بخط حرص فيه صاحبه أن يظهر مدى
براعته في رسم الكلمات. عندما تناولت الورقة وتأملتها ارتابت في أن ذلك الخط قد لا
يخص مدرس الكمبيوتر، هي تعرف أن خطه ليس جميلاً إلى هذا الحد. ودار في ذهنها أنه ربما
يكون خط الأستاذ سيد مدرس الفلسفة.. قال لهم الأستاذ خليل يوماً أن خط الشخص
وطريقة تنسيقه من عدمه يدل على حالته النفسية، لكنها لم تستطع أن تربط بين الشخص
والحالة النفسية، على الأقل بالنسبة لها.. إن خطها لا يتغير في الفرح والحزن، هو
هو لا يتبدل .
إن فيلسوف المدرسة- كما أطلق عليه الطلاب منذ وصوله – لا
يخرج من حجرة الكمبيوتر خلال وقت فراغه، هما صديقان متلازمان.. إن أردت أن تجد
الأستاذ عاطف فاسأل عنه الفيلسوف والعكس صحيح .
تناولت
الورقة، تفحصتها ثم شكرته وهي تنحني قليلاً بابتسامتها الرائعة، محاولة أن تقلد
الممثلين في بداية ظهورهم على خشبة المسرح. لم ترد أن تسأله إذا كان أنشأ الحساب
بنفسه أم لا . كانت شبه متأكدة أن الإجابة الأخيرة هي الصحيحة. يومها طلبت منه أن
يعدها بألا تخرج كلمة المرور عن أحدهما. بالطبع طمأنها وأخبرها أنها تستطيع
تغييرها في أي وقت. كانت تعلم ذلك بالفعل وتنوي تغييرها. شكرته على معلوماته
الثمينة وبراعته في التعامل مع الإنترنت فافتر ثغره عن ابتسامة عريضة تعج بالثقة.
كانت هي وعلياء
ذات فُسحة تنتظران إذن الأستاذ عاطف بالدخول. نقرت الباب مرتين.. أخرج عينيه من
بين أضواء الشاشة، والتفت إليهما قائلاً : " ماذا تريدان؟ أنا منشغل ".
أخبرته وقتها أنها حاولت بمفردها أن تحمّل بعض الأغنيات لكنها لم تفلح.. ثم قالت :
ــ جئت اليوم كي تعلمني كيف أفعل ذلك.. ممكن؟
وقتها حدجها بنظرة عابسة، متعللاً بانشغاله وضيق وقته، لكن
نظرتها الوارفة التي ظللت حدقتيه جعلته يستعيد هدوءه ويجلس مسترخياً، شارحاً لها
بالتفصيل كل خطوة على حدة. لم تفهم منه كثيراً، أحست أن معلوماته مشوشة، ناقصة،
مغلوطة .. ربما كل ذلك معاً، لكنها على كل حال تستطيع الآن أن تفعل ذلك بمفردها .
بتودد واضح سألها عن اسم المطرب الذي تفضله ولما ذكرت له
الاسم ظل ساهماً للحظة يفكر ثم سألها أن تعيد على مسامعه الاسم مرة أخرى، فأعادته
ثانية لكنه قال:
" أنا لم أسمع عن مطرب بهذا الاسم "
بالطبع استنكرت كلامه وهي ترفع حاجبيها، وتتحرك بجواره في
مساحة لا تزيد عن متر مربع. قالت وهي تشهق:" إنه مطرب مشهور، كل الدنيا تعرفه
"، بينما حدثتها نفسها قائلة " أنه حتماً يعرفه، لكنه يتجاهل ".
أشار إلى المقعد الخالي بجواره فجلست.
علياء تقف على مقربة منهما.. لا تتحرك.
" هناك فرق بين المطرب والمغني، هل تعرفين ذلك ؟
" قال.
لم تجب مباشرة لكنها أحست أنه يريد أن يفتح حواراً
بينهما، عندئذ لان صوتها، وأضاءت ابتسامتها صفحة وجهها المستدير، وفكرت أنها ربما
تأتي كل يوم إلى هنا للدخول على الإنترنت حتى يستريح والدها من خروجها المنتظم إلى
مقاهي الانترنت التي انتشرت بطريقة فيروسية في كل شارع وحارة. استطاعت في النهاية
أن تقنع والدها أن يشترك في خدمة الإنترنت من أجلها.
" ترى ما
الذي يريده الأستاذ عاطف؟ وما الفرق بين المطرب والمغني؟ وماذا سيفيدني معرفة
الفرق ؟". وضعت طرف إصبعها السبابة بين شفتيها، ثبتت نظراتها على محياه
وكأنها تحاول أن تستنتج الفرق.. حاولت علياء أن تشدها من ذراعها بهدوء لكي تخرجا.
تجاهلتها جميلة بينما تجيب: " لا أعرف يا مستر صراحة، أخبرني أنت".
تحركت علياء ناحية النافذة بتململ ناظرة إلى الخارج، والمدرس الذي نسى انشغاله
وضيق وقته تنبه إلى أنها قالت " أنت " ولم تقل "حضرتك" مثلاً
لكنـــــه تغاضـــى عن ذلك وأنهمك في توضيح الفرق الكبير بين الطرب والغناء، ثم
ضرب أمثلة لهذا وذاك منذ فجر الغناء وحتى الآن. كانت تومئ برأسها مؤيدة رأيه
وداخلها صوت يصرخ.. يرجوه أن يتوقف عن ثرثرته اللا مجدية.
وقفت فجأة وهي تعدل من وضع "تحجيبتها"، شكرته على معلوماته
الوفيرة وعلياء تجذبها من يدها للخارج. أما هو فقد تابعهما بنظراته إلى أن اختفتا.
عادت جميلة في ذلك اليوم من حيث أتت بعد أن عقدت النية أنها ولابد داخلة من
ذلك الباب الرئيسي يوماً. ما إن هبطت درج المدخل عائدة للخارج حتى تحركت مدرسة
التربية الرياضية وهي تزفر، كأنها ألقت من فوق كاهلها حملاً ثقيلاً. استراحت الآن
مطمئنة على سلامة مملكتها، رغم أنها اغتاظت لأن جميلة لم تكلف نفسها عناء نظرة
واحدة تجاهها، بينما وجهت نظراتها وحديثها إلى الأستاذ عاطف الذي تابعها وهي تهبط
الدرج . كانت تهز رأسها في خفة مدندنة بأغنية ما، بينما اكتست خطوتها بتكسر زائد.
" اليوم
سأدخل من هنا لا محالة، ولتحاول تلك المتضخمة أن تمنعني مرة أخرى". كانت
تتقدم ببطء في ظل أشجار اللبلاب وذكرى المحاولة السابقة تستحثها على المضي قُدماً.."
لولا وجود الأستاذ عاطف لاستحالت محاولتي إلى كارثة ". ارتقت درجات المدخل
وهي ترسم ابتسامة رائعة على وجهها:" صباح الخير"، بعثرتها على الحاضرين
بصوت خفيض دون أن ترفع بصرها عن مواطن قدميها .
كان جمع من
المدرسين يلتفون حول دفتر الحضور والانصراف، كعادتهم الصباحية، جميعهم سمعوها واضحة
جلية:" صباح الخير"، جميلة كزقزقة العصافير. بالكاد خرجت " صباح
الخير " من بين شفتيها الممتلئتين قليلاً، لكنها عرفت كيف تلقيها.. "
صباح الخير"، قالتها كمن تدرب على جملة مسرحية واحدة سيقولها في أول ظهور له
على المسرح.. قالتها بصوت خفيض، ناعم عليه غلالة شفيفة من خفة الدم التي تتميز بها..
هكذا:" صباح الخير "، تلك المرة
مختلفة تماماً عنها في غابر الأيام.. وكأنها قالتها عبر مكبر للصوت، سمعها الجميع،
حتى دفتر الحضور والانصراف اهتز معبراً عن رأيه لأن الموظفة الجالسة خلفه كانت قد
رفعت رأسها ناحية صاحبة الصوت مستغربة محاولة مرورها من هنا مرة أخرى. لم تستغرق
خطواتها التي ضربت بلاط المدخل بصوت مرتفع – مبالغ فيه ربما – سوى جزء من الدقيقة،
لكنه كان كافياً لجذب انتباه الجميع. الأستاذ عاطف والفيلسوف يقفان بجوار الحائط
الأيسر للمدخل. دار في ذهنهما نفس التساؤل تقريباً " لماذا أقلعت جميلة عن
عادتها في ارتداء حذائها الرياضي الوردي الذي كان يميزها ؟" الطالبات يلقبنها
" بذات الحذاء الأحمر ". اليوم ترتدي حذاءً جلدياً أسود بكعب صلب يطرق
أرضية المدخل بلا رحمة.
لم يعد
بينها وتلك الواقفة بنظارتها السوداء العتيقة سوى بضع خطوات. نظارتها السوداء تلك
لم تخف التقلصات والانفعال الذي يسري في وجهها كلما اقتربت جميلة وتوغلت للداخل،
عندها دق جرس هاتفها المحمول معلناً عن وصول رسالة " هكذا ولم يطلع النهار بعد
!! ترى من يراسلك الآن يا أستاذة؟ ". كانت تنظر إلى شاشة الهاتف وابتسامة
طفلٍ تكسو ملامحها.
" أخيراً ضبطتك متلبسة بالابتسام ... هأ هأ .. أنت
تستطيعين الابتسام كما يبدو لي ".
تقدمت خطوتين
أو ثلاثة للأمام، بينما لم تحول هبة ناظريها عن شاشة الهاتف.. أشارت لها بيدها أن
تقدمي. مرت متجاوزة الجميع نحو الفناء دون أن تلتفت نحوها، مرت وسط ذهول الجميع،
خاصة الأستاذ عاطف الذي ما إن رآها تتقدم بثبات وإصرار للداخل حتى أيقن أن كارثة
ستقع، لكنها مرت بسلام، وما إن هبطت الدرج المؤدي للفناء حتى عادت الضوضاء مرة
أخرى.
اختفت في عمق الفناء بين زميلاتها بعد أن استلبت
نظرات البعض، وإعجاب آخرين، بينما لم تخطر لبعضهم على بال.
-20-
كانت الحافلة تمخر عباب الصحراء وحيدة في هذا
الوقت المتأخر من الليل، لا أضواء لسيارات أخرى.. ليس ثمة ضوء في تلك الصحراء
المزدانة بالتلال العالية والربوات التي تبدو في العتمة كأشباح أو أطلال نسيها
الزمن.. ليس سوى ضوء الحافلة يفترش أمامها على الإسفلت ليوضح معالم الطريق. كان
السائق وتابعه يتحدثان بصوت هامس يدل على أنهما يفضيان إلى بعضهما شيئاً من
الأسرار. ما زالت جميلة مستلقية على ستارة النافذة مغمضة العينين، ومنصتة إلى ذلك
الصوت داخلها... حبيبها الذي تركها في ذروة عشقهما بطريقة غريبة يتصدر كل المشاهد
الغارقة في الضوء البرتقالي الذي ينبعث من سقف الحافلة فينعكس على حدقتي عينيها...
عندما دخلت على
"الفيس بوك" في نهاية الأسبوع الأول لإنشاء صفحتها وجدت ذلك الطلب ،
مشفوعاً برسالة منه يخبرها فيها عن اسمه وعمره وعن أمله في أن يتعارفا. الحقيقة أن
صورته قد راقتها كثيراً.. وسامته الطاغية، لون عينيه، لون بشرته، وشعره الكستنائي الناعم،
إضافة إلى أن اسمه – كريم - قد أعجبها كثيراً، فخفق قلبها دونما سبب واضح، ووافقت
في التو على طلب صداقته. دخلت على صفحتها في اليوم التالي، وعندما رأت العلامة
الخضراء التي تدل على أنه متواجد في غرفة " الدردشة" تراقص قلبها..
تعارفا سريعا، وتحدثا في أمور الحياة لأيام.. ثم تسرب شيئاً فشيئاً إلى حياتها
الخاصة وطرح عليها أسئلة كثيرة عن الصداقة والثقة في الآخر.. ثم حدثها في الأيام
التالية عن الحب والتوافق الروحي بين الأشخاص.. عن تلك القدرات الخفية المختزنة
داخل البشر والتي لا يستخرج الدماغ البشري إلا قدرا ضئيلا منها، والتخاطر عن بُعد
وخطوات تحقيقه. كان كلامه جميلاً ومؤثراً ومقنعاً، لدرجة أنها آمنت أنها تستطيع أن
تسمع صوته بالفعل إذا نفذت كل ما يقول لها، خاصة أنه يؤيد كلامه بالأدلة العلمية
التي ينقلها من بعض الكتب العربية أو الأجنبية المترجمة، وقد أحالها إلى بعض تلك
الكتب، فبحثت عنها لتجدها كما قال على بعض مواقع الشبكة، وأصبحت تسير كالمنومة
مغناطيسياً.. تفعل كل ما يريد، وعندما تتجاوب معه كان يكافئها بكلمته التي ينطقها
بعذوبة: " Perfect ".. كان يطلب منها أشياء لم تعتد عليها من قبل لكنها كانت تستمتع
بتنفيذها معه: " تخيلي أنكِ تجلسين الآن أمامي، انظري في عينيّ.. ماذا
ترين؟.. اقتربي قليلاً.. هاتِ يدك.. أنا الآن أحتضنها.. أقبلها.. اقتربي أكثر..
أنا الآن آخذك بين ذراعي.. أشم عطر أنفاسك وأرى بريق عينيك.. أنا أقبلك الآن في
وجنتيك.. في شفتيك...". كانت تحس أنه يحتضنها فعلاً ويقبلها، ولم يمر شهر على
تعارفهما حتى وجدت نفسها تترك له رقم هاتفها الجوال في رسالة على الفيس بوك.. لم
يحادثها مباشرة.. انتظر لمدة يومين، وفي اليوم الثالث لمحت على شاشة هاتفها رقما
غريباً. كانت شبه متأكدة أنه هو، وقد كان بالفعل. صوته الهادئ أكثر من اللازم حنون
وساحر، أخذها وطار بها في فضاءات ملونة.. كانت على ثقة تامة أنه يهيم بها عشقاً
رغم أنها لم تر إلا صورته في " البروفيل" الخاص به.. نفذت كل ما طلبه
منها لدرجة أنه كان ينزع عنها ملابسها عبر الأثير، ويلهو بها كما يشاء.. لا تعرف
للآن كيف استطاع أن يقنعها بأنه لا حدود للعشق، ولا حياء، حيث أنهما يجب أن يصلا
مع إلى درجة التوحد والذوبان.. صوته شديد الشبه بصوت الأستاذ "سيد" مدرس
الفلسفة. كان ذلك الأمر يربكها ويقلقها، لكنها كانت تحاول إقناع ذاتها بأن هناك
فرق كبير بين صوتيهما كالفرق بين السماء والأرض.
كان الأستاذ " خليل " الذي يدرس
لفصلها مادة الفلسفة غائبا في ذلك اليوم الذي دخل فيه ذلك المدرس الشاب فصلهم. كان
ذلك في نهاية الفصل الدراسي الثاني من العام المنصرم، وقد بدأت الطالبات تتغيب
بصورة ملفتة، وكانت قد قطعت مع كريم أشواطاً طويلة سواء على شبكة الانترنت أو عبر
الهاتف. ألقى التحية على الطالبات. وضع كتبه على المنضدة التي تتصدر الحجرة. تفرس في
الوجوه قليلاً واستدار ناحية السبورة التي تحتل معظم الحائط.. يعرف جيداً أن الطالبات
يتفحصنه الآن من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، فالفضول صفة متأصلة في البشر. كتب تاريخ اليوم على جانب السبورة، ولم يكتب
شيئاً آخر سوى كلمة " فلسفة" في أعلى منتصفها. جلس في مواجهتهن ثم قال:
" سأحدثكم اليوم عن موضوع قد تجدونه غريباً إلا أن العلم قد خاض فيه حتى وصل
إلى درجة تكفي لأن نقول أنه يمكن أن يحدث بالفعل، ألا وهو التخاطر عن بُعد".
عندما ألقى كلماته الأخيرة كان ينظر في ثبات نحو جميلة، التي سقط قلبها في جوفها
حين سمعت عبارة " التخاطر عن بُعد". وبدأ يشرح الموضوع باستفاضة ويستدل
في شرحه بأسماء بعض الكتب. هي بعينها التي ذكرها كريم من قبل، لم يزد عليها ولم
ينقص!!. كان يسأل الطالبات خلال كلامه عن رأيهن، وعندما يستحسن إجاباتهن كان ينظر
نحو جميلة قائلاً: " Perfect ". عندما سمعته يكررها بينما نظراته تستقر في
عمق عينيها بدأت ملامح وجهها تتغير... تغيبت في اليوم التالي عن المدرسة ورقدت في
فراشها طيلة اليوم متعللة بالمرض. كانت تشعر أن هوة سحيقة مظلمة تملأ صدرها.. لم
تكف طوال ذلك اليوم عن البكاء وشعرت أنها وقعت في شرك كبير لم يكن من المفترض أن
تقع فيه فتاة مثلها.
ظلت أفكارها
مشوشة لأسابيع، وارتدت ذاكرتها بعد تلك الحصة إلى بداية العام، عندما طلبت وقتها
من مدرس الكمبيوتر أن ينشئ لها حساباً على الفيس بوك، إضافة إلى أن كريم قد اختفى
من حياتها فجأة، بعد ذلك اليوم.. لم يعد يدخل على صفحته برغم كم الرسائل الهائل
الذي بعثت به إليه.. ظلت لأيام طويلة تحاول أن تتصل به، لكن هاتفه كان مغلقا على
الدوام(...).
***
لم تدر جميلة متى غافلها النوم فأطبق جفنيها
كما ينبغي.. لم تعد ترى الأضواء البرتقالية التي تنبعث من اللمبات المثبتة إلى سقف
الحافلة، لكنها رأت كريم.. قابلها وجها لوجه للمرة الأولى.. اعتذر لها عن غيابه،
واحتضنها بحنان، ثم غيبتهما قبلة طويلة.. نظر في عينيها قائلاً: " من الآن
أنتِ لي، لن أترك ثانية".. لكنها رأت ملامحه تتحول فجأة إلى صورة الأستاذ
" سيد " مدرس الفلسفة وهي ما زالت بين يديه، في إحدى حجرات الدراسة،
وصوت جرس المدرسة يؤذن بانتهاء الدوام.. جفلت للوراء، ثم حاولت الهروب لكن قدميها
كانتا ثقيلتين.. تحاول أن تعدو ولا طاقة لديها، وهو يلاحقها...
هبت من النوم
مذعورة، على صوت هاتفها يرن. نظرت حولها فإذا والدها غارق في ثباته العميق إلى
جوارها. أجابت الهاتف فجاء صوت أمها حنوناً دافئاً، وقلقاً أيضاً. طمأنتها أنهما
بخير وأن والدها نائماً، واستأذنتها في أن توقظه لكن والدتها أكدت عليها في سرعة
ألا تزعجه. كان حلقها جافاً كأنها لم تشرب منذ أسبوع. طالعت ساعة الهاتف فإذا هي
الرابعة والنصف صباحاً. تلفتت حولها، كان الكل نياماً عدا صاحبيّ المقعدين
المجاورين لها، رغم تظاهرهما بالنوم، إلا أن أيديهما كانت تعبث تحت الشال الواسع
المفرود على جسديهما. وكذا لمحت عبد الله وفاطمة في الخلف يتهامسان...
-
21
–
تحولت
الإضاءة البرتقالية الخافتة إلى ضوء أبيض مبهر، وابتدأ دوي المحرك يخفت قليلاً حتى
كاد الأتوبيس أن يتوقف في موازاة بناية مضيئة ثبتت إلى جوارها لافتة تقول:"
نُقطة شرطة النقب ". وعلى لافتة أخرى أصغر كُتبت عبارة تقول:" قف
للتفتيش " الأجساد تكاد تطير من فوق المقاعد من جراء " المطبات "
الكثيرة المتلاصقة أمام المبنى. نقطة شرطة النقب خاوية، تعشش فيها الهوام
والحشرات.. دون ضباط شرطة، دون عربة الشرطة بلونها المميز. فقط شجرة خضراء تكافح
كي تظل على قيد الحياة...
كان حلمي في زيارة للواحة منذ سنوات، وتوقف
الأتوبيس كعادته أمام هذه النقطة. صعد بعد لحظة أمين شرطة ثم أمر السائق: "
الباشا بيقول لك استنى شوية"، وأشار إلى الضابط القابع في العربة.. قال ذلك
ولم يزد. ظل السائق منتظراً لأكثر من خمس وأربعين دقيقة. كان الملل قد بدأ يتسرب
إلى نفوس الركاب الذين ظنوا أن هناك أمراً جللا قد تسبب ولابد في ذلك التأخير،
عندها ظهرت سيارة الشرطة قادمة من الخلف ثم توقفت بجوار الباب الأمامي ونزل منها
ضابطان شابان، صعدا الأتوبيس.. وقفا أمام أول مقعدين من جهة اليسار، ثم أمرا
الراكبيَن في صلف أن يجلسا على المقعدين الشاغرين في الخلف لأنهما قررا أن يجلسا
هنا، في الأمام. حاول الراكبان إقناعهما أنهما قد حجزا تذكرتين للمقعدين الأماميين
لكن الضابطين أصرا على رأيهما.. قام الراكبان في انكسار ليجلسا في الخلف.
ظهرت من بعيد
أضواء الأعمدة التي تمتد على جانبي الطريق في منطقة النقب، من بداية ذلك المنحدر
الوعر لحافة الهضبة حتى يحط الطريق رحاله في بطن منخفض الواحة. لم يكن يسمع في ذلك
الوقت سوى أزيز المحرك بينما تزداد عيون الركاب اتساعاً كلما تقلصت المسافة إلى
المنحدر. شعر الركاب أن مقدمة الحافلة بدأت تنسكب للأمام، وصوت المحرك مثل نائحة
ثكلى. بدا السائق جاداً، في قمة انتباهه وهو يحاول قدر جهده المحافظة على استقرار
الحافلة وكبح جماحها... يعرف الركاب أنها منطقة كوارث، وكثيراً ما قرءوا في
الجرائد عن حوادث مفجعة، أو شاهدوا آثارها عبر الشاشات... (وكالة أنباء
الشرق الأوسط - الخارجة - لقي ثلاثة عشر شخصاً مصرعهم، وأصيب
ستة وعشرون شخصاً آخرين، في حادث تصادم وقع صباح الأربعاء بمنطقة النقب في الوادي
الجديد.
كان مدير أمن الوادي الجديد قد تلقى بلاغا
بتصادم الأتوبيس رقم "15" الوادي الجديد، والسيارة رقم "971"
نقل الوادي الجديد، المحملة بالبصل والمتجهة إلى محافظة أسيوط على طريق الخارجة -
أسيوط عند الكيلو 60 شمال مدينة الخارجة بمنطقة النقب، وهى منطقة منحنيات خطرة.
تم
نقل بعض المصابين إلى مستشفى الخارجة العام، ومصابين آخرين إلى مستشفى أسيوط الجامعي
لخطورة حالتهم، وتولت النيابة التحقيق لمعرفة ملابسات الحادث.)
حدثت هنا مئات المشاهد المشابهة لذلك الخبر،
ودارت مشاهد مثلها في أذهان الركاب... حط طائر الصمت على رؤوس الجميع، وتحولت
أجسادهم إلى أحداق واسعة.
كان الليل يفتح أبوابه على هوة سحيقة مظلمة،
يبحث المبصرون خلالها على أي علامة تقودهم إلى بر الأمان. حيث تراكم الخوف هنا على
مر الزمن مكوناً تلالاً من روايات تحكي عن أجساد تناثرت أشلاؤها وسالت دماؤها
ساخنة غزيرة نحو المنخفض الذي لم ترتو تربته المتعطشة بعد، بينما تكوم حطام سيارات
النقل وحافلات الركاب في الأسفل.. ردمت الرياح المحملة بالأتربة أجزاءها السفلية
تاركة بقاياها بارزة على السطح نذيراً وعبرة لمن يعتبر.
العيون قلقة، متسعة الأحداق، تجلس على المقاعد..
تبحث في ركام ذاكرتها عن لحظة معطرة، أو صوت خافت حنون تحبه.. يحاول المسافرون في
تلك اللحظات استحضار أغنية دافئة، كانت تهتز كنخلة مثمرة داخل ضلوعهم ذات يوم،
وأتت عليها رياح الأيام. انتهى المتلامسون عن الملامسة، وكف العشاق المتهامسون عن
الهمس.. كل متوحد داخل ذاته، منغلق على حالته الخاصة، لا يكاد يحس بمن يجلس على
المقعد الذي يجاوره.. عيناه شاخصتان إلى نقطة واحدة في الأسفل.. يعد الدقائق
والثواني أملاً في عبور اللحظة الفاصلة التي سينتهي عندها القلق. تماما مثل حافة
الهضبة التي تفصل الواحة جغرافياً عن ما حولها من أقاليم.
كانت مشاعر هناء مختلفة تماماً تجاه ذلك المنظر
الذي بهرها. إنها المرة الأولى التي تقطع فيها كل تلك المسافة. أعجبها مشهد تلك
الأضواء المتوهجة على جانبي الطريق. لم تشعر بخطورة الطريق الذي يدور على نفسه كل
مئة خطوة، بينما يهبط في قسوة نحو هوة المنخفض. كانت الأضواء المنبعثة من الأعمدة تأخذ
شكل المدرجات للأسفل، حيث يشق الطريق في انحداره والتواءاته بعض القمم الجبلية
التي تتدرج في انحدارها نحو العمق. ربما لم تسمع من قبل عن منطقة النقب، ولم تدر
كيف هي الحكايات التي تناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد الذين مروا من هنا ذات
يوم، صاعدين الهضبة إلى القاهرة، أو هابطين في طريق عودتهم إلى مسقط رؤوسهم..
الحكايات كثيرة.. أخذها الأبناء عن آبائهم، ثم زادوا عليها مواقف وبطولات لا يقدر
عليها إلا ذويهم (...)
الطريق القديم
الذي لا يزيد اتساعه عن أربعة أمتار يظهر على استحياء على مقربة من طريق السفر
الحالي.. يسير متوازياً معه في بعض المناطق، ويتقاطع معه في مناطق أخرى. سطحه الذي
كان لامعاً ذات يوم بات منطفئاً، تتخلله شقوق غائرة، وحفر متناثرة ملأتها رياح
الصحراء بالرمال. يظهر ذاك الطريق حيناً ويختفي أحياناً كثيرة تحت وطأة الكثبان
الرملية المنتشرة على اتساع صحراء مصر الغربية. لم يشهد ذلك الطريق الضيق طوال
عمره المديد حافلة ركاب واحدة، فقد كانت سيارات النقل هي وسيلة السفر الوحيدة من
الواحة إلى الأقاليم الأخرى، تحمل الركاب بأمتعتهم في صندوقها المعدني المكشوف..
يلفحهم حر الصيف، وتلسعهم برودة الشتاء. ظلت سيارة المعلم "مقلد" – التي
اشتراها من ورش السبتية- لسنوات تؤدي دور شاحنة وحافلة ركاب في الوقت ذاته. أما
الآن فهي ترقد كجثة أمام بيت أولاده.. مجرد صندوق معدني أكله الصدأ، وبهت لونه، بلا
أحشاء ولا إطارات، يستخدمه الأطفال مكاناً مناسباً لألعابهم.
الطريق
الحالي واسع مصقول، خاصة في تلك المنطقة الخطرة، يتخلله خط أبيض يقسم الطريق إلى
حارتين واسعتين، تفادياً لوقوع الحوادث والمصادمات، كما تحدد حافتيه خطوط فسفورية
تلمع في الضوء، وتنتصب على جانبيه علامات ولافتات إرشادية كثيرة.
يشعر الإنسان بأهمية اكتمال حياته عندما يتعرض
في خضم معتركها للأخطار، عندما يشعر أن حياته قد تُقتلع منه في غمضة عين... لابد
وأن كثيرا من الركاب قد وصلت إلى أنوفهم رائحة فراشهم، بينما كادت مؤخراتهم أن
تلتصق على مقاعد الحافلة من طول السفر، أحسوا الآن بمدى الطمأنينة التي كانوا
يتمتعون بها وهم يتثاءبون في كسل عند استيقاظهم كل صباح، أهدافهم وآمالهم الطموحة،
التي نثروها في دروب الحياة، وتمتعوا بالركض ورائها تجمعت الآن في هدف واحد، يشعر
الكثيرون معه بالخزي.. إنه الخوف من أن يسحق داخل علبة معدنية كتلك، فيفقد حياته
في غمضة عين كما فقدها كثيرون.. قد يغفل السائق لحظة.. قد ينفجر أحد الإطارات..
قد... احتمالات كثيرة، وغير مؤكدة، لكن الشيء الوحيد المؤكد أن جميع الركاب اتجهوا
بأنظارهم ذات لحظة نحو السماء.
-
22-
خرجت الأنفاس حارة من مكامنها عندما وصل
الأتوبيس إلى نهاية المنحدر الأخير، واشرأبت مقدمته في خيلاء فرحاً بالنجاة. تأمل
الركاب وجوه بعضهم البعض باسمين كأنما يتعارفون للمرة الأولى.. بدأت الأصوات
خافتة، وشيئاً فشيئاً رفرف الضجيج في فضاء الحافلة وتعالت الضحكات.
ظهرت تباشير
ضوء الفجر في الأفق الشرقي، وظهرت معها حافة الهضبة من بعيد مثل جبل أشم. أطفأ
السائق الأضواء الداخلية فتسرب ضوء الصباح الجديد متسللاً في بهجة عبر زجاج
النوافذ، وظهرت حدود المنخفض واضحة جلية.. يبدو المنخفض مثل طبق كبير ذو حواف غير
مستوية، ترتفع في الجهتين الشرقية والشمالية ثم تنخفض تدريجياً في الغرب حتى تنعدم
حافته تماماً في جهة الجنوب.. طبق كبير يحوي بين ضلوعه حياة تمتد منذ آلاف
السنوات. هذا يوم جديد يحمل قلوباً عادت إليها الحياة مشبعة بالأمل بعد أن أربكتها
المخاطر لدقائق مرت بطيئة كدهر.
كان السائق
يترنم بأغنية ما.. ينقر بأصابع يده اليمنى على المقود ويهز رأسه، بينما ازدادت
كثافة الضجيج بين الركاب كلما اتضحت ملامح النهار. فتح الشاب الذي يجلس خلف هناء
وإبراهيم كتابه مرة أخرى، محاولاً قدر جهده رؤية الكلمات على ضوء النهار الذي
تفتقت براعمه منذ قليل، برغم أن الرجلين الجالسين خلفه لم يكُفَّا تقريباً- منذ أن
تحرك الأتوبيس من محطة الترجمان- عن الثرثرة في أمور الواحة والأرض.. كانا
يتجادلان في صخب بشأن المحاصيل وتربية الحيوانات، وحلول موعد زراعة الأرز، وفضل
الثورة في السماح لهم بزراعته مرة أخرى بعد أن تم منعه وتوقيع الغرامة المالية على
من يخالف القرارات. تحدثا عن أهمية زراعة الأرز في الواحة رغم ندرة المياه، مبررين
كلامهما بأن الأرز من المحاصيل التي تساهم في إعادة تغذية التربة وتنقيتها من
الحشائش الضارة.
في غمرة ذلك
الضجيج رن هاتف إبراهيم، فكفت هناء عن الثرثرة وتحول جسدها إلى أذنين
كبيرتين:" ماذا تقول؟ أين؟ هل قُتل أحد؟ ماذا؟ في أية عمارة بالتحديد؟ أرجو
أن توافيني بالأخبار إذا جد جديد".عندما سمع الركاب لفظة "القتل"
عم الصمت ولم يعد يُسمع إلا صوت دوي المحرك وصوت إبراهيم. كان أحد أقربائه يخبره
بأن مشاجرة كبرى نشبت بين عائلتين في "الزاوية الحمراء"، وقد اندلع حريق
كبير، وسُمع تبادل إطلاق النار كثيفاً في المنطقة. ما إن سمع حلمي ذلك حتى اتصل
مباشرة بزوجته يطمئن عليها، كانت الأمور على ما يرام في حي "بولاق أبو
العلا" ... اتصل إبراهيم بعد قليل بقريبه ذاك، فأخبره أن المشاجرة أسفرت عن
مقتل شخصين وإصابة ما يقرب من ستة أشخاص آخرين، وقال له أن قوات الشرطة جاءت
والمعركة على أشدها، لكنها لم تستطع التدخل.. قام رجال الشرطة بدور المتفرج على
أكمل وجه حتى انتهت المشاجرة!! ثرثر الركاب قليلاً عن الثورة، وعن تراجع دور رجال
الشرطة، ثم سرعان ما عادوا إلى حالتهم الأولى وتفرقت بهم الأحاديث.
كانت جميلة
تحدق بعينيها المستديرتين في العالم الواسع خلف زجاج النافذة، حيث تمتد أراضٍ منبسطة
تكاد تخلو من الخضرة.. لم يكن هناك شيء سوى الصحراء.. كثبان رملية صفراء هلالية
الشكل، رؤوس جبلية صغيرة، صخور سوداء متناثرة هنا وهناك، يتخلل كل ذلك أشجار
"العَبَل" حيث تظهر على استحياء بين الفينة والأخرى مبشرة ببدايات أمل
في وجود حياة في تلك المنطقة المنعزلة.. هي لم تزر الواحة منذ طفولتها، لكن أين
العمران؟ أين الخضرة الرحيبة التي كان والدها يتغنى بها طوال الوقت!! هل ستقدر على
قضاء عام كامل في منطقة تكاد تخلو من البشر؟ أعادت التفكير مرات، وهي ترمق والدها
الذي ألصق نصف جسده العلوي بظهر المقعد ملقياً برأسه للخلف. يحملق في سقف الحافلة
بينما ترتسم على وجهه فرحة طفل تائه عثر على أمه مصادفة.. لماذا يتوجب عليها قطع
كل تلك المسافة لإتمام دراستها الثانوية. لم يتبق سوى عام واحد.. لم لا تستمر
خلاله في مدرستها بشارع ميرزا؟ إنها تحب تلك المدرسة العتيقة بالفعل. لابد وأنها
ستفتقد صديقاتها. تُرى هل سيتذكرنها مع بداية العام؟ ربما سيفتقدنها في حجرات
الدراسة، وربما لا... من ستصادقين بعدي يا علياء؟ هل تستطيع أخرى أن تصاحبك بكل
هذا الصمت والحياء الذي يقيدك؟ هاأنذا قد رحلت يا كابتن هبة.. ربما ستسألين عني في
بداية العام، وعندما يخبرنك بأنني رحلت ستقافزين فرحاً.. أصبح الطريق مفتوحاً
أمامك الآن يا نشوى، ستصطادين ساذجات أخريات، ستحاولين العبث معهن، ولن تقف جميلة
في وجهك بعد الآن...
كنت
أجلس أنا
وعلياء في المقعد الثاني، في مواجهة الباب، نشوى في المقعد المقابل.. ، هي فتاة
متوسطة الجمال، لكنها تمتلك عينين جميلتين، وشفاه مكتنزة، تفرك أصابعها باستمرار طوال
اليوم الدراسي، وتزور الأخصائية النفسية كثيراً. كان من عادتها أن تعض على شفتها
السفلي. هي حركة – ربما – غير مفتعلة، كثيراً ما لاحظتُها. كان مدرس اللغة
الفرنسية - المرح دائماً - يلقى بجملته المشهورة
في وجه الفصل دونما تحديد: "إن شاء الله ستأكل شفتيك". كنت أفهم جيداً
أنه يقصد نشوى التي اعتادت أن تفتح فمها قليلاً، تطوى شفتها السفلي، وتضغط بأسنانها
ثم تترك الشفة تنزلق في بطء، ويخرج لسانها مثل رأس ثعبان يطل من جُحر.. تبلل به
شفتيها من جانب إلى آخر في حركة متوالية تشبه بندول الساعة. ثم يدخل الثعبان إلى
مكمنه مرة أخرى.
لاحظ
والدها انشغالها وحيرتها فقال مطمئنناً: " إنا متأكد أن الحياة هنا ستعجبك،
فلا تتركي القلق ينتابك".
- أخشى
ألا أستطيع التعود على الحياة هنا. هذا الهدوء الذي أراه الآن لا يحتمل.
- نحن
ما زلنا على أطراف الواحة يا حبيبتي، عندما نصل إلى البيت ستجدين الوضع مختلفاً
تماماً، بل قبل أن نصل للبيت.. اصبري لحظات وسترين أن مكمن الجمال الحقيقي في
الدنيا وأصله موجود هنا.. في واحتنا تلك.
- متى
نصل إلى البيت؟ قالت مبتسمة، ربما لتسري عنه، وتصرفه عن التفكير في قلقها.
- ليس
أكثر من ساعة واحدة. قال، وكأنه تذكر شيئاً فجأة فتابع ضاحكاً: لقد اشتقت إلى " أوضة الجِزَمْ ".
- حقاً،
سمعتك تتحدث عنها من قبل؛ مرة مع عمي محمود ومع أمي مرة، ولم أفهم في المرتين ما
حكايتها مع أهل هذا البيت؟ "
- أوه
.. إنها حكاية لطيفة، وأعتقد أن أوانها قد حان، ثم اعتدل ليواجهها:
قدمت السيدة " قوت القلوب الدمرداشية" - في
بداية هذا العام- عابرة هذا المدق نحو بيت الشيخ " منطوق" لتترك عنده ما
وهبته من كساء وبطاطين للفقراء، تركت أيضا عددا لا يحصى من الأحذية حين رأت الناس
في الواحة يسيرون حفاة على الدوام. لم يجد الشيخ منطوق في بيته مكانا يخزِّن فيه
كل هذه الأحذية، التي أعرض الناس عن انتعالها وعدوها ضربا من الجنون، فلجأ إلى بيت
" عبدون" الذي خصص حجرة كوَّم فيها تلك الأشياء التي ظلت ردحا من الزمن
حتى بليَت، فقد أنفها الناس واعتبروا لبسها قيداً يعطلهم عن الحركة
وأداء العمل. الغرفة التي احتوت ذكرى جميلة لجدك
عبدون آنئذ لم تكن سوى " أوضة الجزم" التي رفض جدك أن يمسها أحد عند
تجديد البيت. كان يدخلها أحيانا ويحكم غلق الباب من ورائه، يظل في الداخل لما يقرب
من نصف الساعة ثم يخرج بوجه يحمل غبار الذكريات القديمة.
طلب الشيخ
يومها من جدك عبدون – وكان والده "عبد الفضيل" قد توفى- أن يضع تلك
الأحذية في أية حجرة خالية من البيت الواسع، الذي لم يكن فيه إلا هو وجدتي "
وجيدة" وكانت كفيفة البصر.. ظلت الأحذية مكومة في حجرة جانبية بالدار، لا
يقربها أحد إلا عدد محدود من الرجال، جربوا استعمالها واعتادوا عليها، كان منهم العم
سعد والعم بركات والشيخ منطوق، بينما ظلت بقية الأحذية نهباً للرطوبة وحشرات الظل
حتى بليت. وبرغم أننا جددنا البيت منذ سنوات إلا أن جدك حذرنا من هدم تلك الحجرة،
وأصر على أن تظل كما هي بما تحمله من رائحة السنوات القديمة حفاظاً على ذكرى تلك
السيدة.
بعد زيارتها بشهر واحد، انتشر خبرها مع
القادمين من مصر إلى الواحة حيث ذكروا أن تلك السيدة كانت إحدى العلامات البارزة في عمل الخير،
فقد ساهمت هي ووالدها "عبد الرحيم الدمرداش" في التبرع بالمال اللازم
لبناء " مستشفى" أطلق عليها "مستشفي الدمرداش" في القاهرة. ويقال أن المائدة التي أعدت للضيوف
في حفل وضع حجر الأساس للمستشفى لم يوضع عليها طعام أو شراب، بل وضع عليها والدها الطوب
ومواد البناء. كما أن المستشفى - كما نصت وصيته- كانت مفتوحة للجميع بغض النظر عن
الدين أو الجنس.
كانت قوت القلوب تسير على منوال أبيها الذي
كان شيخ الطريقة الدمرداشية، فقد تبرعت لذلك المستشفى بما يعادل 50 ألف جنيه ذهبا، أما
ثروتها فكانت تزيد على النصف مليون.
شرفت
السيدة قوت القلوب واحتنا بالزيارة في بداية هذا العام، وتحديدا في شهر فبراير من
العام 1941م وكان ذلك اليوم يوافق " يوم الميلاد الملكي". حدث ذلك بعد
أن قررت أن توجه تبرعاتها إلي وجهة لم يسبقها أحد إليها, فقد قامت بزيارة إلي الواحات
الغربية، ورأت الفقر وهو يرتع في تلك المنطقة، فقررت أن تتبرع للسكان بخمسمائة
وخمسة وخمسون بطانية, وستمائة جلباب، ومائتي عنزة مع صغارها، إضافة إلى كومة هائلة من الأحذية
القماشية والجلدية.
الطريف في الأمر أن جدك " عبدون " كان
أول من التقى موكبها البهي عند فم المدق الصحراوي بطوله الفارع وصدره العريض وثوبه
المرقع. لم يستطع نسيانها منذ أن وقعت نظراته على وجهها الآسر. ظل يتتبعها وهو
يفكر في طريقة تجعلها تتذكره ولا تنساه، وتفتق ذهنه عن فكرة نفذها في الحال؛ أهدى
إليها تاجاً صنعه ببراعة من جريد النخل وثمر نبات " الشلشاو"، أخذته منه
وابتسامة رائعة ترتسم على شفتيها قائلة له: " أنت ذكي يا عبدون، أعدك أن
أحتفظ بتلك الهدية أينما ذهبت". كان تلك الكلمات وحدها هي ما يدفعه نحو
الانكفاء على ذاته في حجرة الأحذية.
***
" أبي، انظر هناك، فوق الجبل". قالت
جميلة بنبرة من رأى عجباً، وهي تشير ناحية الشرق.
- ماذا
هناك؟ التفت حلمي حيث أشارت.
- يا
له من منظر!!
ظلت تتأمل
القُرص الكبير وهو يرتفع تدريجياً، حتى اكتمل مستديراً، صابغاً بأشعته الحمراء
حافة الهضبة... كانت مساحات من أراض زراعية، تتخللها بعض أشجار النخل قد بدأت تظهر
في البراح الواسع مثل بقع خضراء صغيرة، مستكينة في قبضة الصحراء التي لا ترحم. ذلك
البراح الشاسع الذي يمتد من طريق السفر حتى حافة الهضبة، تلك التي تظهر الآن من
بعيد مثل سور عال يلتف في نصف دائرة تقريباً.
شعرت
جميلة بحيوية مفاجئة لم تعرف لها سبباً، فقد سلبت لُبها تلك المناظر التي تمر أمام
عينيها عبر زجاج النافذة.. ظلت تتأملها لفترة، غاصت في تفاصيلها، كأنما ترى كل جزء
على حدة.. ظهرت في البعيد بعض المنازل، اتسعت المساحات الخضراء، وانفكت قبضة
الصحراء.. تقهقرت حتى حافة الهضبة التي لا تفتأ تتباعد.. السماء زرقاء صافية في كل
مكان، لا تختفي عن البصر أينما حل وأينما ارتحل. كان والدها محقاً. لا يوجد جمال
أكثر بهاء وروعة من إبداع الخالق مهما اجتهد المجتهدون. كيف تستطيع القصور
والمتاحف، والنوافير والحدائق التي يصنعها البشر أن تواجه هذا الجمال الممتد، الذي
يتوغل في النفوس إلى أقصى مدى؟
لم تعد
ترى الشمس التي توارت في الخلف. منذ أن انعطف الطريق غربا بزاوية حادة، والحقول
اقتربت حتى كادت أن تلتصق بالطريق من الجانبين.. مساحات خضراء متصلة، غابات من
النخيل وأشجار الفاكهة، ومحاصيل زراعية تتخللها كتل سكنية من طابق أو طابقين. انتزعتها
روعة المشاهد في الخارج من الأحداث التي كانت تراقبها عن كثب في الداخل. أنستها
هناء وإبراهيم، وما كانا يفعلانه طوال الرحلة.
كانت الساعة قد بلغت السادسة والنصف صباحاً،
وابتدأ السائق يتوقف في محطات القرى التي تقابله. يهبط الراكب من هؤلاء فيجد جمعاً
غفيراً من أقربائه في استقباله، يأخذونه بالأحضان ويهنئونه بسلامة العودة حاملين
عنه كل أمتعته، بينما يسير هو بينهم يتبختر كطاووس...
عند محطة ما قام إبراهيم في هدوء كمن يتلصص،
سحب حقيبته الصغيرة ثم هبط وهو يلوح لأصدقائه في الخلف، كانت هناء وقتها تغط في
نوم عميق، وقد سقط شالها الواسع مكوماً على فخذيها. استيقظت بعد فترة لتجد المقعد
المجاور لها خالياً.. ارتسمت أمارات الحيرة على وجهها. بحثت عن حقيبتها الصغيرة،
وجدتها أسفل المقعد وقد دهستها الأقدام، التقطتها بيد مرتبكة، نفضت عنها التراب
الناعم، وأخرجت هاتفها الجوال، ضغطت أزراره ثم قربته من أذنها.. يبدو أن أحداً لم
يجبها لأنها ظلت ساهمة لفترة ثم قالت في غضب باد، وقد ارتفع صوتها رغماً عنها:
" ذلك السافل، نزل في محطته دون أن يخبرني، الأدهى من ذلك أنه أغلق هاتفه..
سافل وضيع".. تهللت أسارير جميلة وهي تتابع حالة هناء وقالت في نفسها ساخرة :
" وماذا كنت تنتظرينه أن يفعل يا بلهاء".
***
استقبلتهم المدينة ببوابتها الضخمة على مدخل
طريقها الواسع، البوابة مشيدة على الطراز الفرعوني تتصدرها لافتة كبيرة تقول:
" ادخلوها بسلام آمنين". تمتد الحقول في شكل قوس شمال المدينة يخترقها
الطريق المؤدي إليها، حيث تنمو على جانبيه أشجار الزيتون. ما زال الهدوء يسيطر على
المدينة رغم أن الساعة قد تجاوزت السابعة صباحاً.. لا أحد في الشوارع، لا محلات مفتوحة،
ولا سيارات على طرقها الواسعة النظيفة التي تصطف على جانبيها الأشجار والنخيل
بطريقة رائعة... وصل الأتوبيس إلى محطته الأخيرة بجوار قسم الشرطة في تمام السابعة
والنصف، يدخل بعدها إلى ميدان الجامع حيث مقر شركة الوجه القبلي للنقل والسياحة.
لقد نزل معظم الركاب في محطاتهم قبل أن يدخل الأتوبيس المدينة. نزلت فاطمة في
المحطة الأخيرة بعد أن ودعت عبد الله الذي وعدها بزيارة قريبة، كما ودعت مليحة
وحنين رفيقتي رحلتها. مر السائق بطيئاً أمام قسم الشرطة المحاط بسور عال تم بناؤه
حديثاً. لم يسلم هذا السور من عبارات كتبها بعض الشباب بخط واضح كبير: " كلنا
خالد سعيد، يسقط يسقط حكم العسكر". يبدو أن أخبار الثورة وصلت إلى تلك المنطقة
المنعزلة في أقصى الصحراء، عبر الفضائيات وشبكة الانترنت فتأثر الشباب بأحداثها..
لقد ظلت الواحة في مأمن من الأحداث الجسام التي مرت بها مصر طوال تاريخها القديم
والحديث، فلم تنشب على أرضها معركة واحدة بالمعنى العسكري المعروف. لا تصل إليها
أحداث المعارك والانتصارات والمعاهدات، وكل ما يفور داخل أحشاء الوطن إلا بعد
حدوثها. اشتعلت الثورة في القاهرة، وسالت دماء الشهداء في الشوارع والميادين،
بينما لم يتغير شيء هنا.. تسير الحياة في البلدة هادئة مطمئنة.. العاملون في
أعمالهم كما اعتادوا، والفلاحون في حقولهم، وكل شيء على ما يرام.
نزل بقية الركاب في المحطة الأخيرة، وانسحب
الأتوبيس في خفة باتجاه مقره الأخير، متنفساً بعمق لأول مرة، كدابة أُنزل عن ظهرها
حمل ثقيل. غادرت سيارات الأجرة بلونها الأبيض والأخضر موقفها إلى جوار سور نادي
تعمير الصحاري، لتقف بالقرب من أمتعة المسافرين. وقف حلمي قليلاً، تأمل وجوه سائقي
التاكسي حتى وقع الاختيار على أحدهم. كان يتكئ على سقف عربته منتظراً الفرج. أشار
حلمي إليه فركب سيارته في التو واقترب حتى وقف في محاذاته. لمح مليحة وحنين تقفان
جانباً ولا تدريان ماذا تفعلان بعد أن انشغلت كل سيارات الأجرة تقريباً وابتدأ
بعضها في التحرك. أشار لهما حلمي ولما نظرتا إليه زعق:" أحضرا أمتعتكما
وتعاليا هنا". عندما قدمتا ساعدهما السائق في وضع أمتعتهما.. ركبت جميلة مع
رفيقتيها في المقعد الخلفي وجلس حلمي بجوار السائق الذي انطلق في الحال. انشغلت
جميلة معهما في حديث خافت، بينما ظل والدها يتأمل الطريق والحقول التي تحفه، كان
يعقد في ذهنه مقارنة بين ما كانت عليه تلك المناطق التي يعرفها جيداً وما آلت إليه
طوال ثلاث سنوات غاب خلالها عن الواحة.
أوصلهما السائق حتى ساحة المسجد الذي يتوسط
القرية ثم انحرف إلى اليسار قليلاً ليقف في ظل أشجار الكافور. هنأت جميلة رفيقتيها
بسلامة الوصول واتفقن ثلاثتهن على اللقاء عصراً... انعطف حلمي وابنته في شارع ضيق
على يمين المسجد.. كانت عيناه تتفحصان كل ما يقابله بينما يسير في خطوات بطيئة
متمهلة.. أبواب المسجد ونوافذه ولون الجدران يدل على أن المسجد تم ترميمه منذ وقت
قريب. لاحظ أيضا أن ثمة منازل واسعة هُدمت وقامت مكانها بنايات أسمنتية متجهمة.
ظلت عيناه تبحث عن أشجار بعينها، كانت ملمحا هاماً من ملامح القرية، لكن عينيه
ارتدت خائبة منكسرة. قضت المدنية على أشياء كثيرة كان يحبها. لاحظت ابنته أنه لم
ينطق منذ أن نزلا من السيارة، كما لاحظت تغير ملامحه لكنها لم تشأ أن تزعجه بأسئلتها. أمام بيت عائلة بركات كانت بقايا جذع شجرة التوت العتيقة ما
زالت متشبثة بأمها الأرض.. توقف أمام الجذع قليلاً، انحني ومرر أصابعه عليه، كان
ناعماً وبارداً كجثة، وجميلة واقفة خلف أبيها لا تدري ما الذي يفعله!! اعتدل
أخيراً والتفت إليها لكنه لم ينطق، سار في طريقه صامتاً.. شعرت أنها ترى والدها
للمرة الأولى، لم تستطع أن تفسر ذلك التعبير المرتسم على وجهه.. كأنه مزيجاً من
الألم والفرح.. من الحرية والهزيمة.. لم تستطع أن تفسر ذلك البريق الذي تجمع في
عمق عينيه.. هل هو فيض فرح وشوق، أم بداية لانهمار الدموع!! تمشيا قليلاً فهبت
رائحة الخبز الساخن من أحد أفنية البيوت.. تغلغلت في أنفه فتوقف فجأة متذكراً والدته.. تلفَّت هنا وهناك حتى استطاع
تحديد مصدر الدخان.. أخذ نفساً عميقاً وهو يغمض عينيه.. ثم مضى في طريقه.
انتابت جسده
رعشة عندما تراءت ملامح الدار أمام ناظريه.. تقدم في رهبة بينما كان الصبية في عرض
الطريق يحاصرون حشرة " فرس النبي"، يسألونها عند عدد أولادها، فتحرك
أقدامها كيفما اتفق، عندها يهللون: " اثنان.. ثلاثة.. أربعة "، حسب عدد
أرجلها التي تحركها... يشعر أن البيت يتحرك،
يقترب، يريد أن يلتقيه في الشارع فيحتضنه.
لمح والده أمام البيت قابضاً على منَشّته
الخوص يهش بها الذباب، فنسى المشاهد التي أحبطته ولم يعد يرى شيئاً إلاه. يجلس
أمام البيت فارداً ساقيه، وقد انحسر جلبابه السماوي قليلاً، فظهرت ساقاه نحيفتان،
معروقتان، يظهران للرائي جلداً على عظم.. عيناه الضيقتان غائرتان في محجريهما،
عينان سوداوان لامعتان مثل عيني نسر عجوز.. يجلس مستنداً بظهره إلى حائط البيت
تاركاً الأريكة الخشبية.. بيت كبير، تنتصب أمامه نخلتان طويلتان متعانقتان، يلتقي
جذعيهما في الأسفل ثم يصعدا في تقوس لطيف حتى تقترب رأسيهما بجريدهما الطويل
ليتعانق هناك في الأعالي.
يجلس العجوز حافياً، وإلى جواره حذاء كان في يوم
من الأيام أسود، يزين فردته اليمنى ثقب صغير.. الحذاء رغم تهالكه إلا أن ملامحه
تبدو عليها آثار مجد قديم.. يبدو أن الحذاء لم يتأثر بالطين الجاف الملتصق بجوانبه
وانتصبت مقدمته في أنفة وكبرياء... كان النهار في أوله والظلال الباردة التي
اختزنها تراب الشارع تتسلل عبر الأجساد... كان حلمي وابنته قد اقتربا أكثر، بينما
والده يأخذ نفساً عميقاً، ينظر ناحيتهما طويلاً، يضيق حدقتي عينيه، يحاول قدر جهده
أن يتعرف على شخصية هذين القادمين.
،،، انتهت ،،،
الواحة
في 6 أكتوبر 2012 م
تعليقات